مكتب الشيخان للدراسات الإسلامية و العربية: الصفحة الرئيسية من نحن مع من يتعامل المكتب؟ أخبر صديقاً اتصل بنا


هذه الصفحة خاصة بعرض نماذج من أعمال المكتب المختلفة من التحقيق و التأليف فى العلوم الإسلامية و العربية
مركز الشيخان للدراسات الإسلامية و العربية

تنظيم النسل بين الأحكام الفقهية والضرورة الاجتماعية

لعله لا يخفى عن المتابع الجاد لدقائق الحياة الاجتماعية فى وطن العروبة وعالم الإسلام - أَمْرُ تلك الدعوة العريضة ­ التى سُخِّرت لها أجهزة الإعلام على مستوياتها المختلفة ­ إلى ((تنظيم النسل)) أو تحديده، وربما ألممت بأنباء مؤتمر من مؤتمراتها الكثيرة، والتى ما فتئ أصحاب الدعوة يعقدونها بين الفينة والفينة، ووقفت على ما ترمى إليه، وعلى ما تسوقه من مسوغات لمشروعيتها، وما تعلنه من توصيات فى جلساتها الختامية. وقد أسهم فى صياغة هذه الدعوة ­ دينيًّا واجتماعيًّا ­ مَنْ نَشُكُّ فى صدق نواياهم، أو على أقل تقدير لا نطمئن إلى علمهم وثقافتهم، الأمر الذى حملنا على المشاركة فى هذه القضية والإدلاء برأينا فيها، يحدونا فى المشاركة رغبة صادقة فى تبين وجه الحق ­ مجردًا من الهوى والغرض ­ فى هذه المسألة المُشْكِلة، وإعلانه للناس مدعومًا بالأدلة الواضحة، والبراهين الساطعة.

تنظيم النسل: مفهومه، ووسائله:

يقصد بتنظيم النسل: كل ما يصطنعه الزوجان من وسائل لمنع الحمل مدة من الزمان، قد تطول وقد تقصر؛ من أجل تقليل عدد الأولاد، ومباعدة الفترة التى تفصل بينهم. وتتنوع الوسائل التى يعمد إليها الزوجان لتحقيق ذلك، ويمكن تقسيمها إلى ثلاث وسائل:

صحفة 1

 

1- العزل.

2- الأدوية والعقاقير الطبية وغيرها مما يبتدعه الأطباء؛ لمنع الحمل.

3- العمليات الجراحية، والغرض منها استئصال النسل والقضاء على أسبابه لدى الرجل والمرأة جميعًا كعمليات ربط القناة المنوية لدى الرجل، أو استئصال الرحم لدى المرأة.

 التكييف الفقهى لوسائل تنظيم النسل:

ونبادر فنقول: إن الحكم الفقهى على العزل - وقد كان معروفًا لدى الفقهاء قديمًا فى عصر الاجتهاد - ينسحب بالضرورة على الوسيلة الثانية وهى الأدوية والعقاقير الطبية بطريق القياس، الذى هو أحد الأدلة الشرعية لاستنباط الأحكام الفقهية. أما الوسيلة الثالثة فليست منهما؛ ولذلك فسوف نفردها بحديث مستقل, بعد معالجة العزل وما يلحق به. والمقصود بالعزل: أن يحجز الرجل ماءه عن المرأة عند الجماع، بأن ينزع حين يقارب الإنزال وينزل خارج الفرج؛ كى لا يتم العلوق. وثمة أحاديث وردت فى العزل نسوقها قبل أن نعلق عليها ونستنبط منها الحكم الفقهى، الذى نؤمن بصحته ونأخذ أنفسنا به:

1- روى البخارى ومسلم والترمذى وابن ماجه عن جابر - رضى الله عنه - قال: كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن ينزل(1).

2- روى البخارى أيضا عن أبى سعيد الخدرى - رضى الله عنه - قال:


(1) أخرجه البخارى (5207) و (5208) و (5209) ومسلم (136/1440).

صحفة 2

أصبنا سبيا فكنا نعزل، فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((أو إنكم لتفعلون؟ - قالها ثلاثا - ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهى كائنة))(1).

3- وروى مسلم عن أبى سعيد الخدرى قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة بنى المصطلق، فسبينا كرائم العرب، فطالت علينا الغربة، ورغبنا فى الفداء، فأردنا أن نستمتع ونعزل، وقلنا: نفعل ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا لا نسأله؟! فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: ((لا عليكم ألا تفعلوا. ما كتب الله خلق نسمة هى كائنة إلى يوم القيامة إلا ستكون)) (2). ورواه أيضا بألفاظ مقاربة أبو داود والطبرانى والإمام أحمد.

4- روى مسلم عن أبى سعيد الخدرى أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن العزل، فقال: ((لا عليكم ألا تفعلوا ذاكم، فإنما هو القد)) (3).

5- وروى مسلم أيضا عن أبى سعيد الخدرى قال: ذكر العزل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((ولِمَ يفعل ذلك أحدكم؟ (ولم يقل: فلا يفعل ذلك أحدكم) فإنه ليست نفس مخلوقة إلا الله خالقها))(4).

6- وروى مسلم أيضا عن جابر بن عبد الله - رضى الله عنه - أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن لى جارية، هى خادمنا وسانيتنا، وأنا أطوف عليها، وأنا أكره أن تحمل، فقال:


(1) أخرجه البخارى (5210).

(2) أخرجه مسلم (125/1438).

(3) أخرجه مسلم (129، 130/1438).

(4) أخرجه مسلم (132/1438).

صحفة 3

 

(( اعزل عنها إن شئت؛ فإنه سيأتيها ما قدّر لها )). فلبث الرجل، ثم أتاه فقال: إن الجارية قد حبلت، فقال: (( قد أخبرتك أنه سيأتيها ما قدر لها ))(1). ورواه أيضا بألفاظ قريبة، أبو داود والإمام أحمد.

7- وروى الترمذى والنسائى، كل منهما عن طريق معمر، عن يحيى بن كثير عن جابر قال: كانت لنا جوار، وكنا نعزل، فقال اليهود: إن تلك الموءودة الصغرى. فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك, فقال: (( كذبت اليهود، لو أراد الله خلقه لم تستطع رده))(2). إن النظر فى مجموع هذه الأحاديث ينتهى بنا إلى حكم فقهى يلائم نصوصها، وهو جواز العزل، وما تشى به الأحاديث من كراهةٍ ذهب جمهور الفقهاء إلى أنها كراهة تنزيه وليست كراهة تحريم، على أن الأئمة الثلاثة: مالكًا وأحمد وأبا حنيفة ذهبوا إلى أن جوازه مشروط برضا الزوجة. واختلف أصحاب الشافعى: فمنهم من وافق الجمهور فى هذا الشرط، ومنهم من خالفه فأجازه بدون ذلك، قال الإمام النووى: (( وأما زوجته الحرة فإن أذنت فيه - أى: العزل ­ لم يحرم، وإلا فوجهان، أصحهما: لا يحرم))(3). والذى نميل إليه ونرى أنه يتفق مع النصوص الصحيحة وينسجم مع القواعد الفقهية، هو ما ذهب إليه الجمهور من اشتراط رضا الزوجة.


(1) أخرجه مسلم (134/1439).

(2) أخرجه الترمذى (1136) والنسائى فى الكبرى (5/340).

(3) د/ محمد سعيد البوطى، تحديد النسل وقاية وعلاجًا ص(33) .

صحفة 4

 

فقد روى الإمام أحمد وابن ماجه عن عمر ­ رضى الله عنه ­ قال: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها))(1). وكذلك فثمة قاعدة فقهية تقول: ((الضرر يزال))، وقد يقع الضرر على الزوجة من العزل؛ لسببين:

أولهما: أن الإنزال خارج الفرج من شأنه أن يفوت على المرأة لذة الجماع.

ثانيهما: أن للزوجة حقًّا فى الولد، والعزل يفوت عليها هذا الحق.

رأى ابن حزم، وحديث جدامة بنت وهب:

ذهب ابن حزم ­ مخالفًا فى ذلك جمهور الفقهاء ­ إلى تحريم العزل مطلقًا، سواء رضيت الزوجة أم أبت. واستدل فيما ذهب إليه بما روى عن جدامة بنت وهب أخت عكاشة، فى حديث طويل جاء فيه: (( ثم سألوه عن العزل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك الوأد الخفى))(2). والحق أن ظاهر الحديث دال على المنع والتحريم، وهو ما يتعارض مع الأحاديث الأخرى التى أوردناها لتأييد رأينا فى الحكم بجواز العزل، وإن رأينا أنه جواز مع الكراهة التنزيهية، فكيف يمكن ­ والحال هذه ­ التوفيق بين حديث جدامة الدال على التحريم، والأحاديث الأخرى المفيدة للجواز؟! وقد كفانا د/محمد سعيد البوطى مؤنة التوفيق هذه فى كتابه ((تحديد النسل))، فقال لدرء التعارض بين حديث جدامة وغيره: ((ولنذكر أولا الوجوه


(1) أخرجه أحمد (1/31)، وابن ماجه (1928)، والبيهقى (7/231). وانظر: ضعيف ابن ماجه للعلامة الألبانى (423).

(2) أخرجه مسلم (141/1442).

صحفة 5


 

التى ذكرها العلماء فى التوفيق بينه وبين الأحاديث الأخرى، لا سيما قوله ­ عليه الصلاة والسلام ­: ((كذبت اليهود، لو أراد الله خلقه لم تستطع رده))، ثم نختار من هذه الوجوه ما هو الأقرب والأوفق.

الوجه الأول - وهو الذى ذكره النووى فى شرحه على مسلم، ويفهم من كلام الطحاوى فى شرح معانى الآثار­: أن حديث جدامة هذا يحمل النهى فيه على كراهة التنزيه، ويحمل الإذن الوارد فى الأحاديث الأخرى على عدم الحرمة؛ فيكون القدر المشترك فى دلالة الأحاديث المختلفة كلها هو كراهة التنزيه.

الوجه الثانى: تضعيف حديث جدامة؛ بسبب كثرة الأحاديث الصحيحة المعارضة له، وبسبب أن حديث تكذيب النبى صلى الله عليه وسلم لليهود أكثر طرقًا؛ إذ إن النسائى قد أخرجه من طريق هشام وعلى بن المبارك وغيرهما عن يحيى عن محمد بن عبد الرحمن عن أبى مطيع عن أبى سعيد. ومن طريق أبى عامر عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة عن أبى هريرة. ومن طريق سليمان الأحول أنه سمع عمرو بن دينار يسأل أبا سلمة بن عبد الرحمن عن العزل، فقال: زعم أبو سعيد... إلخ، قال: فسألت أبا سلمة: أسمعته من أبى سعيد؟ قال: لا، ولكن أخبرنى رجل عنه. فهذا الطريق الأخير وإن كان فيه مجهول، إلا أنه معزز بالطرق المذكورة الأخرى، وهى فى مجموعها ­ بالإضافة إلى الأحاديث الأخرى الصريحة فى جواز العزل ­ تقضى بتضعيف حديث جدامة، المنفرد فى مضمونه عن كل ما قد روى عنه صلى الله عليه وسلم فى هذا الباب.

صحفة 6

 

الوجه الثالث: أن مضمون حديث جدامة، وهو المنع، كان معمولا به فى أول الإسلام، ثم إنه نسخ فيما بعد، بالأحاديث الأخرى الدالة على الجواز.

الوجه الرابع: وإليه ذهب ابن حزم ­: أن حديث جدامة هو الذى يجب العمل به؛ لثبوته فى الصحيح، ولاضطراب الطرق الواردة للحديث المقابل له، ولأن حديث جدامة دال على المنع؛ فهو رافع لحكم الإباحة الأصلية، وهذا أمر متيقن ((فمن ادعى أن تلك الإباحة المنسوخة قد عادت, وأن النسخ المتيقن قد بطل، فقد ادعى الباطل، وَقَفَا ما لا علم له به، وأتى بما لا دليل عليه)). فهذه هى الوجوه التى قيلت فى التوفيق بين حديث جدامة الدال على المنع، والأحاديث الأخرى الدالة على الجواز، فلنتلمس أقربها إلى القواعد وأوفقها مع العمل بالسنة. أما القول بتضعيف حديث جدامة؛ لأن الحديث المعارض له أكثر طرقًا, وهو الذى كذَّب فيه النبى صلى الله عليه وسلم اليهود، ولأن الأحاديث الصحيحة الدالة على جواز العزل كثيرة ­ فهو قول لا يستند إلى دليل؛ إذ إن دعوة التعارض فى أصلها غير صحيحة. بل غاية الأمر أن قوله صلى الله عليه وسلم: (( ذلكم الوأد الخفى)) يشير إلى كراهية العزل تنزيها، وليس فيه ما يقطع بالدلالة على الحرمة. وأقواله ­ عليه الصلاة والسلام ­ فى الأحاديث الأخرى دالة على أصل الجواز الصادق بالكراهة والإباحة؛ فانتفى التعارض؛ فانتفى بذلك موجب الشذوذ أو التضعيف. وقد قال الحافظ ابن حجر عن هذا الوجه: ((وهذا دفع للأحاديث الصحيحة بالتوهم، والحديث صحيح لا ريب فيه، والجمع ممكن)).

صحفة 7

 

وأما القول بأن مضمون حديث جدامة - وهو النهى - كان معمولا به فى أول الإسلام، ثم نسخته الأحاديث الأخرى الدالة على الجواز ­ فيرده أن من شرط النسخ معرفة تاريخ كل من الناسخ والمنسوخ، وليس ثمة ما يثبت أن النبى صلى الله عليه وسلم أخبر أصحابه بحكم التحريم أولا، ثم أخبرهم بعد حين بحكم الجواز. وأما قول ابن حزم بأن المنع فى حديث جدامة جاء نسخا للإباحة الأصلية، وأن على من ادعى رفع الحرمة وعود الإباحة أن يأتى بالدليل، ولا دليل ­ فيرده قول جابر ­ رضى الله عنه ­ فيما رواه الستة ما عدا أبا داود: كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن ينزل. زاد مسلم: فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فلم ينهنا(1). فلو لم يكن جواز العزل مستمرا إلى وفاة النبى صلى الله عليه وسلم، لما قال جابر ذلك، ولأوضح أن آخر ما استقر عليه الحكم هو التحريم. ويرده ­ أيضا ­ أن كلامه هذا يعنى أن حديث تكذيب النبى ­ عليه الصلاة والسلام ­ لليهود منسوخ؛ فيقال له عندئذ عين ما يقول هو لنا، ويطالب هو نفسه بالدليل الذى يثبت أن حديث تكذيب اليهود منسوخ، ولا دليل؛ ذلك لأن دعواه، بأن حديث جدامة نسخ للإباحة الأصلية - ليست أولى من دعوانا نحن بأن حديث تكذيب النبى ­ عليه الصلاة والسلام ­ لليهود ناسخ لحديث جدامة.


(1) تقدم ص (2).

صحفة 8

هذا كله نقض إجمالى لقوله. أما النقض التفصيلى فهو أن يقال له: ليس ثمة أى تعارض بين حديث جدامة وغيره، كما أوضحنا؛ فحديث النسخ أو الحاجة إليه غير وارد فى هذا الصدد مطلقا. بقى الوجه الأول الذى رويناه عن النووى، واعتمده الحافظ ابن حجر والطحاوى وجماهير الفقهاء والمحدثين، وهو الوجه المتعين الذى لا محيد عنه؛ إذ لا تعارض ­ كما قلنا ­ بين حديث جدامة وشىء من الأحاديث الأخرى؛ فلم تبق حاجة إلى تكلف القول بأى وجه من الوجوه الثلاثة السابقة. ولو وجب القول بالتعارض بين حديث جدامة والأحاديث الأخرى، لوجب القول بالتعارض بين قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخارى: ((أو إنكم لتفعلون؟)) قالها ثلاثا، وقوله صلى الله عليه وسلم فى حديث مسلم: ((لا عليكم ألا تفعلوا))(1)؛ إذ الاستفهام فى الحديث الأول إنكارى، وكلامه فى الحديث الثانى يعنى: لا حرج عليكم أن تفعلوه. مع أن أحدًا لم يقل بأى تعارض بينهما؛ ذلك لأن الدلالة واضحة على أن الاستفهام الإنكارى تعبير عن كراهة التنزيه، والحديث الثانى تعبير عن أصل الجواز. فالعلاقة بين حديث جدامة والأحاديث الأخرى من هذا القبيل. أما ما يبتدعه الأطباء من وسائل لمنع الحمل, كالحبوب التى تستعملها النساء مثلا, فيشملها الحكم الفقهى للعزل، وهو الجواز مع كراهة التنزيه، ما دام لا يترتب على استعمال هذه الوسائل ضرر صحى يلحق أحد الزوجين أو كليهما.


(1) تقدم ص (3).

صحفة 9

استئصال النسل والقضاء على أسبابه:

يكاد الإجماع ينعقد بين الفقهاء على تحريم الوسائل والأساليب التى يصطنعها أحد الزوجين أو كلاهما بغرض القضاء على أسباب التناسل؛ لما فى ذلك من تبديل لخلق الله، وتغيير للطبيعة التى بثها الله فى الرجل والمرأة، وسواء فى ذلك اتفاق الزوجين أو رفض أحدهما. فليس للإنسان أن يعمد إلى أى جزء فى هيئته التركيبية ­ عندما تكون سوية ­ أو إلى أى مظهر من خصائصه الفطرية، فينسخه أو يغيره؛ فإن ذلك يعد من أسوأ مظاهر التمرد على عبوديته للفاطر الحكيم جل جلاله. يقول الله ­ عز وجل ­ مبينًا ما أخذه إبليس على نفسه من بذل كل جهد؛ لإغواء الصفوة التى اختارها الله من مخلوقاته, وهى الإنسان: {لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا} [النساء: 118 ­ 119]، وتغيير خلق الله هو ما علمت من تبديل شىء من أجزائه الذاتية، أو القضاء على شىء من جبلته وفطرته الأصيلة. من أجل ذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح عن تنميص الوجه وتزجيج الحاجبين وتفليج الأسنان والوشم؛ إذ كل ذلك داخل فى مسمى التغيير الذاتى، بخلاف ما يدخل فى

صحفة 10

 معنى التهذيب والرعاية؛ كحلق الشعر والعناية به، وقص الأظفار وتكحيل العين ونحو ذلك(1).

تحديد النسل بين التصرف الفردى والدعوة الجماعية:

لعل من نافلة القول أن نذكر أن النكاح قد شرع لتحقيق مقاصد أرادها الشارع الحكيم، أعظمها خطرًا فى حياة الفرد والجماعة: حفظ النسل ودوام النوع إلى أن تتكامل العدة التى قدر الله بروزها إلى هذا العالم. فعن أنس أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالباءة؛ وينهى عن التبتل نهيًا شديدًا، ويقول: (( تزوجوا الودود الولود؛ فإنى مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة))(2). وعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((انكحوا أمهات الأولاد؛ فإنى أباهى بكم يوم القيامة))(3). وعلى ذلك فإن تحديد النسل جارٍ على خلاف الشرع ومنافٍ لأصل ما شرع لأجله النكاح، (( ولكن الشارع الحكيم ­ جل جلاله ­ رخص للزوجين فى محاولة جزئية وفردية للحد من النسل؛ نظرًا لظروف أو مصالح شخصية قد تكتنفهما أو تكتنف أحدهما، أما الحكم العام فقد بقى على أصله, وهو المنع،


(1) د/ محمد سعيد البوطى، مسألة تحديد النسل وقاية وعلاجًا ص (37).

(2) أخرجه أحمد فى المسند (3/158، 245)، وذكره الهيثمى فى المجمع (4/255) وقال: رواه أحمد والطبرانى فى الأوسط من طريق حفص بن عمر عن أنس, وقد ذكره ابن أبى حاتم وروى عنه جماعة, وبقية رجاله رجال الصحيح .

(3) أخرجه أحمد (2/172)، وذكره الهيثمى فى المجمع (4/261) وقال: وفيه حُيَىّ بن عبد الله المعافرى، وقد وثق، وفيه ضعف .

صحفة 11

 والحاكم العام هو الأمين على ذلك))(1). نخلص من ذلك إلى أن تحديد النسل جائز مع الكراهة التنزيهية، وهذا الحكم الفقهى موصول السبب بحالات فردية أو نماذج شخصية، كضرب من ضروب التوسعة على الناس ورفع الحرج عنهم. أما أن يغدو تحديد النسل دعوة عامة يحمل عليها المسلمون حملاً، ويتجاوز القائمون عليها أصولاً شرعية معتبرة, فذلك ما لا نوافق عليه، ولا نرضاه للمجتمع الإسلامى؛ إذ هى دعوة آثمة لا تنهض على أساس شرعى مكين، بل القواعد الفقهية تخالفها أشد المخالفة؛ فثمة قاعدة فقهية تقول: ((ليس كل ما هو مشروع للفرد مشروعًا للجماعة))  وهى قاعدة فرعية مخرجة على القاعدة المعروفة الكبرى: ((تصرف الحاكم منوط بالمصلحة))، أى: بما أنه وكيل عن الأمة فى رعاية مصالحها، فقد وجب عليه أن يلتزم جانب الحيطة فى الأمر؛ فلا يغامر فى مصالحها، ولا ينزل عن القصد إلى أعلى درجات الصلاح لها. هذا مع العلم بأن أفراد الأمة، لو مارسوا بأنفسهم حقوقهم ومصالحهم، لجاز لهم أن يغامروا بها كما يحبون، وأن يفرطوا فيها كما يريدون. مثال ذلك: أن للفرد من الناس أن يقتدى فى صلاته بفاسق إذا شاء ذلك، غير أن الحاكم لا يجوز له أن يعتمد على هذا الحكم, فينصب للناس إمامًا فاسقًا. ومثاله أيضا: أن ولى المقتول يملك أن يعفو عن القصاص على الدية، غير أن الحاكم لا يملك مثل هذا الحق، ولا يستطيع أن يلزم ولى المقتول به.


(1) البوطى، السابق، ص (25).

صحفة 12

 وحيثما يعطى الشارع الزوجين حق إيقاف النسل أو يمنعهما منه ­ على ما سنجد فيما بعد ­ فإنما ذلك لمصلحة تتعلق بهما، ولأمر عائد إليهما، وقد يكون المجتمع شريكًا لهما فى المصلحة فى بعض الأحيان، فتعميم الدولة حكم الإباحة أو الحظر لمصلحة الأفراد تجاوز لواجب الحيطة فى رعاية أمر العامة))(1). وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ندب أمته إلى التزاوج، وحثهم على ذلك بأكثر من حديث صحيح؛ ليكثر نسلهم حتى يباهى به الأنبياء والأمم من قبلهم ­ فكل دعوة جماعية تدعو الناس عامة إلى الحد من النسل وتقييده بعدد محدد ­ تعتبر من وجهة نظر الشارع مخالفة لما أنزل الله ­ تعالى ­ على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن ثم فهى دعوة مردودة لا يعول عليها، ثم إن محاولة إلصاقها بالدين إثم وزور وبهتان، والله برىء منها ورسوله والمؤمنون، ومحاولة تبريرها بما تعانى الأمة من فاقة مالية ليست مسئولة عنها، وبعد ما تكفّل الله ­ تعالى ­ برزق كل دابة على الأرض ­ محاولة غير مقبولة(2).

تحديد النسل دعوة تكذبها التجربة التاريخية ويفندها الواقع الاجتماعى(3):

 نشأت فكرة تنظيم النسل فى أوربا فى أواخر القرن الثامن عشر، وذلك حين


(1) البوطى، السابق ص (25، 26).

(2) عبد الرحمن مندور، مقالات إسلامية فى تنظيم الأسرة ص (59).

(3) عالج د/البوطى هذه المسألة باستفاضة فى كتابه تحديد النسل.

صحفة 13

نشر القسيس وعالم الاقتصاد البريطانى مالتوس مقالاً عنوانه: ((تزايد السكان وتأثيره فى تقدم المجتمع فى المستقبل)). ولاحظ مالتوس أن عدد السكان فى أوربا يتزايد بصورة كبيرة لا تتلاءم مع زيادة وسائل الإنتاج وأسباب الرزق، وإذا ظل الأمر على هذا النحو، فقد تضيق الأرض فى يوم من الأيام بسكانها، وتعجز عن تلبية احتياجاتهم الأساسية، الأمر الذى حمله على التفكير فى مواجهة الإشكال من خلال اقتراحين:

أولهما: ألا يتزوج الشباب إلا بعد أن تتقدم بهم السن.

ثانيهما: أن يبذل الأزواج قصارى جهدهم وبمختلف الوسائل؛ فى سبيل الإقلال من الإنجاب. والحق أن أفكار مالتوس لقيت قبولاً وترحيبًا من المجتمع الأوربى، ووجد فيها جمهور الأوربيين مجالاً لإشباع غرائزهم وقضاء أوطارهم دون معاناة متاعب التربية وتهذيب النشء، وهو ما يتناسب مع مزاجهم المادى، وفطرتهم الفاسدة؛ فلا غرو أن نالت دعوة مالتوس تأييد الكتّاب الغربيين فآمنوا بها، وطفقوا يبحثون عن التدابير الطبية التى عسى أن تنفع فى تحديد النسل. غير أن الدراسات الموضوعية والتجربة التاريخية تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك خطأ أفكار مالتوس وشيعته، وتبين فساد تصوراتهم التى أقاموا على أساسها دعوتهم العريضة. وقد فند د/ محمد سعيد البوطى ­ بناء على هذه الدراسات واستنادًا إلى التجربة التاريخية ­ فكرة تحديد النسل من خلال المحاور التالية:

1- أن أرباب هذه الدعوة ­ وفى مقدمتهم مالتوس ­ أقاموا دعوتهم على خطيئة كبرى

صحفة 14

 فى تقدير الأمور، وفى معنى الرزق الذى يحتاج إليه الإنسان, ألا وهى تصورهم أن الحاجات الإنسانية محصورة فى الخيرات الثابتة فى الأرض والمنافع الطبيعية الكامنة فيها، بغض النظر عن أى تفاعل بينها وبين الإنسان. وهى - بدون شك - منافع وخيرات محصورة، سرعان ما يربو عليها نمو السكان وتكاثف الأفراد.

ولكن الأمر فى حقيقته ليس كذلك؛ فليست مقومات العيش لبنى الإنسان متمثلة فى هذه المدخرات الثابتة من زيت وفحم وحديد وغيرها، وإنما هى كل ما قد يتوالد من تزاوج هذه المدخرات، مع ما قد يبذله الإنسان من جهد ويحقق من تدبير؛ فى سبيل الوصول بهذه المنافع الطبيعية إلى أقصى درجات الاستفادة المتنوعة.

ومعلوم أن الإنسان كلما اكتشف سبيل نفع جديد من بعض خيرات الأرض، تكوّن له من ذلك رأس مال جديد؛ لتحقيق مرابح جديدة فى مجال النفع الإنسانى، الذى لا يكاد يقوم له حد. ويمتد أثر هذا التلاقح من النفع المتوالد بشكل منفرج، يتسع إلى ما شاء الله من الاتساع.

وبتعبير آخر ليس سر العيش الرغيد فى هذه الدنيا، هو هذه المدخرات المخزونة فى باطن الأرض، أو هذه الأرزاق المبثوثة على سطحها؛ وإنما السر كامن فى نقطة التلاقى بين هذه المدخرات والأرزاق، والعقل الإنسانى العجيب؛ فإذا بتلك المواد الطبيعية المحددة الثابتة قد انبثقت عن ألوان من المنافع لا حصر لها، وتحولت إلى طاقة تزداد قوة واتساعا، كجرم قذفت به إلى منحدر، كلما سار فى منحدره ازداد اندفاعًا إليه.

صحفة 15

وإذن، فلا جرم أنه بمقدار ما تزداد الحيل والطاقات الإنسانية حول مكنونات الله لعباده فى الأرض, تزداد شحنة النفع والخير فى هذه المكنونات، وبمقدار ما تقل هذه الطاقات والحيل تزداد هذه المكنونات انطواء على نفسها وانحصارًا ضمن ذاتها. يقول الأستاذ ((فيدروف)) أمين الأكاديمية السوفيتية للعلوم، بصدد نقده لنظرية مالتوس: وإذا كانت موارد الطبيعة محدودة حقًّا، وكانت حاجات الإنسان غير محدودة، فما وجه الاعتراض إذن على تلك النظرية؟ وجه الاعتراض عندنا: أن موضوع الاهتمام ينبغى أن يركز على حاجات المجتمع الإنسانى الأساسية وعلى وسائل سدها، لا على الأمور الطبيعية لذاتها: كالفحم والزيت والحديد وغيرها. وكذلك ينبغى ألا نغفل عن حيلة الإنسان وعن سعة تدبيره)). ويقول العالم الديموغرافى الفرنسى ((ألفريد سوفى)): ((إن الاكتظاظ الذى قد تبدو سماته فى بعض البلدان، مرده إلى قلة استغلال الموارد الطبيعية، وضعف اختصاص العمال، والاعتماد على الزراعة؛ فالاكتظاظ فى نهاية التحليل ظاهرة من ظواهر التأخر، يزول عند أخذ المجتمع بأسباب التقدم)).

ثم يذكر فى ختام كلامه مثال الصين الشعبية؛ إذ كانت تعتبر من أكثر البلدان اكتظاظا بالسكان، وقد أصبحت أخيرًا محتاجة إلى الأيدى العاملة؛ نظرًا لتقدمها السريع. وإليك ما يقوله المستر هربرت مارسين وزير داخلية بريطانيا فى عام 1943م: ((إن بريطانيا إذا كانت تحب المحافظة على مستواها فى الوقت الحاضر، والتقدم فى سبيل الرقى

صحفة 16

والازدهار فى المستقبل، فمن اللازم أن يتزايد فيها أفراد كل أسرة بنسبة 25% على الأقل)).

2- إن المتحمسين فى الدعوة إلى تحديد النسل، يذهلون عن حقيقة ذات أهمية كبرى فى ترسيخ دعائم الحضارة والمدنية فى المجتمع، وهى حقيقة صدقتها وقائع التاريخ، ثم هى من الوضوح بحيث ما ينبغى أن تخفى على أحد.

إن أية أمة، لا يتاح لها أن تصعد فى مرقاة الحضارة، إلا بالاعتماد على أولئك العباقرة والمبدعين وأرباب الطاقات الخارقة فيها، وهم يشكلون دائمًا نسبة قليلة، بالنظر لمجموع الأمة أو عامة الشعب. غير أن هذه الأمة كلما كانت أكثر عددًا، كانت هذه الصفوة فيها أوفر عددًا وأكثر تنوعًا، وكانت فرص الاختصاصات والمهارات العلمية أمامها أرحب وأوسع.

إن من البداهة بمكان أن أية أمة قليلة العدد لا يمكن أن تتمتع بتنوع واسع فى مواهب أفرادها، ولا يمكن أن تتسع أمام أفرادها ميادين التنافس على المهارات والعلوم المختلفة، وبالتالى لا يمكن اصطفاء المبرزين فى كل من هذه الميادين لملء الثغرات الهامة بهم؛ إذ إن رأس مال ذلك كله إنما هو الكثرة والفيض السكانى إذ ينساح فى الأرض. ولعلك تفهم من هذا الكلام أن الذين وهب الله لهم درجة التفوق من عباده فى الطاقة والملكات الفكرية هم قلة نادرة، وأن سوادهم الأعظم يتمتعون بقدرات متوسطة أو دنيا؛ فمن أجل ذلك نبحث عن أولئك الموهوبين ضمن أكبر عدد من هذا السواد العام.

صحفة 17

غير أن مرافق الحياة كثيرة ومتوالدة، واحتياجات الإنسان كثيرة لا يكاد يحصرها عد. فإذا قل عدد السكان، اقتضت ضرورة تقسيم تلك المرافق والحاجات عليهم أن يتحمل كل منهم طائفة من الجوانب والمرافق المختلفة، وذلك بعد طرح العجائز والصغار ونحوهم, ممن لا يستطيعون النهوض بالمسئوليات. وأنت خبير أن تكاثر الأعباء على الفرد يفقده فرصة النهوض الحقيقى بشأنها، ويجعل الزمن أمامه ضيقا عن تدبير الأمور على نحو دقيق وبشكل سليم؛ فهو يضطر إلى أن يعالجها بشكل سطحى، وأن يلقى للمشكلات حلولا سطحية وموقوتة، مهما كان غنيا بالطاقة والذكاء والعلم؛ إذ المشكلة هنا مشكلة جهد وزمن، وليست مشكلة فقر فى أصل الإمكانات والقدرات. وأوضح مثال لذلك أن نلاحظ دائرة ذات مرافق وأعمال متنوعة: إن مما لا ريب فيه أنه كلما كان الموظفون الصالحون فيها أكثر عددًا، كانت مهام كل منهم أقل؛ فتكون فرص البراعة فى القيام بشأنها أكثر، ووسائل التعمق فى الدراية بها ودقة المعالجة أوفر وأيسر. وكلما كان الموظفون الصالحون أقل عددًا، كانت واجبات كل منهم أكثر، وأصبح الزمن أمامهم أضيق؛ فتفوتهم فرص الدقة والإتقان، وتصدر المشكلات عنهم بحلول سطحية أو بأنصاف حلول. وتبدو لك ثمرة هذا الذى نقوله فيما تلاحظه من كثرة أصحاب الاختصاصات العميقة فى الأمم الكثيرة العدد، ومن قلة هؤلاء الرجال فى الأمم القليلة العدد. يقول جاك أوستروى فى كتابه: ((الإسلام والتنمية الاقتصادية)) معترفا بهذه الحقيقة الهامة لا سيما فى البلاد الإسلامية:

صحفة 18

(( وإذا كان الازدياد الكبير فى السكان، يشكل أخطارا اقتصادية لا يمكن إنكارها فى بلاد أخرى، فإن هذا الواقع له جانب مفيد أيضًا، وهو تحول التركيب البشرى فى اتجاه اقتصادى مفيد؛ بإنقاص عدد الأشخاص الذين لا ينتجون اقتصاديًّا بالنسبة لعدد المنتجين، وبالتالى يحدث دفعًا مبدعًا له دور أساسى فى عملية التنمية)). ويقرر الدكتور عبد الكريم اليافى فى كتابه ((المجتمع العربى ومقاييس السكان)) هذه الحقيقة، ثم يقول: ((وربما كان فى هذا ما يفسر حصول الابتكار والاختراع والكشوف فى البلاد الكبيرة، على أنه ربما يكون الأفراد فى البلاد الصغيرة على درجة عالية من الثقافة، ولكن الابتكار والاختراع والكشوف فى الغالب من نصيب البلاد الكبيرة)).

3- إن وقائع التاريخ وتجارب الأمم، قد امتلكت النتيجة المعاكسة لما توهمه دعاة تحديد النسل، ووضعت يدها على ثمرات هذه الحقائق المنطقية والعلمية التى أوضحناها، وذلك أنطق دليل على بطلان التصورات التى جنح إليها المالتوسيون ومقلدوهم. وإليك صورًا سريعة من هذه الوقائع والنتائج:

* إن مساحة اليابان لا تكاد تبلغ نصف مساحة باكستان، على أن 83% من مجموع مساحة اليابان لا يمكن استغلالها؛ لما يمتد عليها من سلسلة جبال النار. ومع ذلك فقد حافظت اليابان على عدد سكانها الذين يزيدون على عدد سكان باكستان زيادة كبيرة. وارتفعت بنهضتها الاقتصادية إلى حيث تمكنت منتجاتها من السيطرة على كثير من أسواق

صحفة 19

أمريكا وأوربا، دون أن يعوقها عن ذلك تكاثف سكانها وضيق رقعتها، بل كان عكس ذلك هو الصحيح.

* كان عدد السكان فى ألمانيا عام 1880م: (45 مليونًا). وكانوا يعانون إذ ذاك من ضنك المعيشة، ومن ضائقة مالية شديدة، حتى كان آلاف منهم يهاجرون إلى الخارج بين كل عام وآخر. ولكن لما بلغ عددهم 68 مليونًا خلال أربعة وثلاثين عامًا، ارتفعت عنها ضائقة العيش وتضاعفت مواردها وازدهر اقتصادها، حتى اضطرت إلى استجلاب العمال من الخارج؛ لتسيير حياتها الاقتصادية؛ إذ بلغ عدد العمال الأجانب فيها عام 1900م ثمانمائة ألف عامل، وارتفع العدد فى عام 1910م إلى ما يقارب مليونًا و300 ألف عامل.

* إن السرعة الهائلة التى ازداد بها سكان إنكلترا منذ أواخر القرن الثامن عشر إلى أواسط القرن التاسع عشر، كانت قد أوقعت طائفة من المفكرين من أهل أوربا فى دوامة من الحيرة والدهشة، حتى ساورتهم الهموم المتتابعة: أى أرض يمكن أن تتسع لهذا العدد الضخم من السكان؟ ولكن الدنيا ما لبثت إلا يسيرًا حتى رأت بأم عينها أن السرعة التى ازدادت بها وسائل إنكلترا للرزق والعيش والازدهار الاقتصادى ­ أكبر بعدة أمثال من السرعة التى ازداد بها عدد السكان، وأن الشعب البريطانى ما زالت تتفتح أمامه مناطق واسعة للعيش والسكنى والحياة الاقتصادية الفارهة. وينقل أبو الأعلى المودودى عن السير وليم كروكس رئيس الجمعية البريطانية: أنه أنذر بالويل عام 1899.

صحفة 20

وقال متحديا: إن إنكلترا وسائر البلاد المتحضرة فى الدنيا تواجه خطر الجدب وقلة القمح، وإن وسائل الدنيا لن تسير مع حاجاتها أكثر من ثلاثين سنة. غير أن الذين رزقوا البقاء إلى ذلك الحين رأوا أن الدنيا ما نزلت بها نازلة كالتى كان قد أنذر بها رئيس الجمعية البريطانية، على الرغم من التزايد الشديد للسكان، بل ازدادت محاصيل القمح خلال هذه السنين زيادة هددت السوق بالكساد، حتى إن الأرجنتين وأمريكا أحرقتا ­ لأجل ذلك ­ كميات وافرة من قمحهما.

* إن سويسرا فقيرة ­ كما هو معلوم ­ فى مواردها الطبيعية، وذلك من شأنه أن يبعدها مبدئيًّا عن احتمال استيعاب عدد كبير من السكان؛ إذ ليس فيها فحم ولا مناجم حديد ولا غيرها من المعادن، وليست على البحر، وقسم كبير من أراضيها جبلى لا جدوى منه فى الإنتاج، وقد بلغت كثافة سكانها مع ذلك كله 136 نسمة فى الكيلو متر المربع، وأخذ الضيق يدفع بالكثير منهم إلى الهجرة خارج البلاد. غير أن هذه الظاهرة نفسها ما لبثت أن قلبت التيار وعكست التأثير، فازدهر اقتصادها، وصار عدد المهاجرين إليها من الأجانب والعاملين فيها بإشراف الدولة وبشكل رسمى يتفاوت من 250 ألف فى الشتاء إلى 350 ألف فى الصيف.

فكرة تحديد النسل تغزو وطن العروبة وعالم الإسلام:

تجاوزت فكرة تحديد النسل الحدود الأوربية إلى العالم العربى والإسلامى، ضمن أفكار كثيرة تمثل - فى رأينا - غزوًا فكريًّا وثقافيًّا بغيضًا، لا يقل فى خطورته عن الغزو العسكرى المسلح.

صحفة 21

ومن عجب أن هذه الفكرة ظفرت بتأييد الحكومات العربية والصفوة الإسلامية المثقفة، ولعلها وجدت فى الوطن العربى ­ لا سيما مصر ­ تربة خصبة؛ لكى تثمر وتؤتى أكلها؛ وذلك لما يكتنفه من مشكلات اقتصادية كبيرة، أعادت الحكومات والصفوة المفكرة أسبابها إلى زيادة السكان. فغدت فكرة تنظيم النسل أو تحديده منذ النصف الثانى من القرن العشرين قاسمًا مشتركًا فى كل خطط التنمية، وعنصرًا لا بد من توافره إذا أردنا أن نتجاوز أزمتنا الاقتصادية الخانقة. هكذا صور لنا الإعلام المرئى والمسموع والمقروء أبعاد المشكلة، واختزل كل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية فى (( زيادة السكان وتضخم أعدادهم)). يقول د/مندور: (( والحد من النسل جاء أول الأمر من قِبَل السلطة العليا فى مصر؛ بدعوى أن الحالة الاقتصادية والأزمة المالية التى تمر بها مصر تقضى بذلك، ثم قامت أبواق من المأجورين والمغرضين، تروج له فى الصحف وفى الإذاعة وفى المحافل العامة، بالحق وبالباطل، إلى درجة أن افتروا على الدين وقوّلوه ما لم يقل، وإلى درجة أن طالبوا بصدور تشريع يحرم الإكثار منه؛ تمشيًا مع ما تستدعيه الحالة الاقتصادية فى مصر، ولولا وقوف نفر من العلماء المؤمنين المخلصين فى وجه هؤلاء الدعاة المرائين لصدر ذلك التشريع))(1).


(1) الدكتور مندور ص (58).

صحفة 22

والسؤال المتبادر إلى الأذهان فى هذا السياق هو: هل كانت زيادة السكان حقًّا سببًا فاعلاً فى الأزمة الاقتصادية التى يمر بها العالم العربى، وهل لفكرة تحديد النسل ما يسوغ وجودها وتعميمها فى وطن كالوطن العربى؟ وهل الزيادة السكانية سبب من أسباب التنمية، أم معوق من معوقاتها؟ يقول د/ سعيد البوطى: إن الدعوة إلى تحديد النسل لو فرض أن لها فى سائر أطراف العالم مسوغاتها وأسبابها، لن يكون لها فى العالم العربى إلا ما يكشف عن أسوأ نتائجها وأوخم عواقبها، فكيف وقد لَفَظَتْهَا طبيعةُ العالم بأسره؟! إن العالم العربى عالم واسع فسيح، تتجاوز مساحته 12.76 مليون كيلو متر مربع، فهو أوسع بلاد العالم التى تسكنها أمة واحدة، ذات مقومات واحدة لوحدة الأمة؛ إذ تقارب مساحته عشر مساحة المعمورة، وهو يزيد كثيرًا على ضعف مساحة أوربا، ويعادل المرة وربع المرة من بلاد الصين، ويزيد على المرة ونصف المرة من مساحة الولايات المتحدة الأمريكية. وهو يقع فى أهم مناطق الأرض؛ إذ يصل ­ كما تعلم ­ بين قارات ثلاث؛ حيث يمتد من المحيط الأطلسى إلى الخليج العربى وبحر عمان والمحيط الهندى، باسطا سلطانه على كل من الشاطئ الشرقى والجنوبى من البحر الأبيض، ومستوعبًا بعد ذلك أطراف البحر الأحمر.

صحفة 23

ثم إن مفاتيح المحيطات والبحار كلها تقع تحت يده؛ فهو يشرف على مضيق جبل طارق؛ حيث نقطة الاتصال بين المحيط الأطلسى وحوض البحر المتوسط، وعلى قناة السويس؛ حيث نقطة الوصل ما بين البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، وعلى مضيق باب المندب؛ حيث نقطة الاتصال بين المحيط الهندى والبحر الأحمر، ومن ورائه حوض المتوسط فالمحيط الأطلسى، أى إن حركة الصادر والوارد فى هذه المنافذ كلها تقع تحت عينه وداخل سلطانه. ثم إن هذه المنطقة المهمة، تتمتع ­ بعد ذلك كله ­ بذخر متنوع لا ينضب من الثروات الظاهرة والباطنة تجمعت فيها؛ حيث لم تتجمع بهذا التكامل فى أية بقعة أخرى من العالم. فإذا علمت بعد ذلك كله أن الكثافة السكانية فى هذه المنطقة لا تزيد على 8 أو 9 أشخاص فى الكيلو متر المربع منه، فى حين أن الكثافة السكانية فى أوربا تزيد على 87 فى الكيلو متر المربع ­ أدركت مدى خطورة الجريمة التى تنطوى على الدعوة إلى تحديد النسل فى هذه المنطقة. إن أى تقدم اقتصادى أو عمرانى فى ربوع الوطن العربى، رَهْنٌ بزيادة سكانه. وما لم تتحقق هذه الزيادة بنسبة عالية، فإن شيئًا من أحلام المشاريع الاقتصادية الكبرى لن يتحقق فيه، ولن تتواثب العقول المبدعة لشىء من التسابق والتنافس الشريفين، فى ميدان البحث العلمى والإنتاج الاقتصادى، ولن تتشابك أيدى التعاون لنصرة الحق ورد الكيد. إن من المتفق عليه عند علماء الاقتصاد أن عوامل الإنتاج ثلاثة: الأرض والإنسان ورأس المال، وأن الإنسان هو أهم هذه العوامل الثلاثة؛

صحفة 24

 إذ هو الذى يبدع فى العاملين الآخرين الحركة والاستهداف والتفاعل، فمهما كان الوطن العربى غنيا بالأرض الواسعة ورأس المال العظيم، فإن شيئًا من ذلك لن يتحول إلى تقدم ورخاء إلا بالكثافة البشرية؛ إذ تتحرك فتحيل كلا منهما إلى طاقة وإبداع. ولتعلم أن أى تصور لإمكانات الوطن العربى، يعتمد على واقع التجزئة والتمزق اللذين يعانى منهما ­ جريمة نكراء تستهدف التنكر لتاريخ هذه الأمة، والاستخفاف بما تملكه من مقومات الوحدة، وفى مقدمتها الدين الحق الذى يُظِلُّ أرضها ويجمع شملها. هذا، ونحن لا نتكلم عن العالم العربى إلا بوصفه جزءًا لا يتجزأ من العالم الإسلامى؛ فالمشكلة فيه ­ بالنسبة إلى هذا الموضوع ­ واحدة، والحل واحد، والمصير واحد. غير أننا نضطر إلى التحدث إلى القراء فى هذا الصدد عن العالم العربى بالذات؛ لأن دعوة هائجة قامت فى كثير من جوانبه تدعو إلى اتخاذ التدابير المختلفة للحد من نسله، وتنذر ((العالم العربى)) بالويل والثبور، إن هو استسلم للدفع السكانى المتكاثر! فلا بد فى معرض الرد عليهم من الحديث عن العالم العربى الذى هو محل البحث بيننا وبينهم. أما فى واقع الأمر نفسه، فإن بلاء العالم العربى جزء لا يتجزأ من بلاء العالم الإسلامى، داؤهما ودواؤهما واحد؛ إذ كان الإسلام هو الإطار الجامع لأشتات مقدسة كبرى فوق هذه الأرض، مهما اختلفت الخصائص الجزئية فيما بينها. وحسبك لتدرك أن الحديث عن الدعوة إلى تحديد النسل فى عالمنا هذا إجرام سخيف ­ أن تعلم بأن كتاب الغرب، يفندون فيما بينهم وضمن محيطهم

صحفة 25

آراء مالتوس وشيعته، ويلحون فى الدعوة إلى الاستكثار من النسل ورفع نسبة الكثافة السكانية عندهم، كما قد رأيت لدى مناقشتنا لهذه الدعوة، حتى إذا نصبوا منابرهم فى اتجاه الشرق الأوسط، ونظروا إلى عالمنا العربى الإسلامى الفسيح ­ تغيرت آراؤهم فجأة، وانعكس حديثهم عن هذه الدعوة، وأخذوا يحذرون العرب والمسلمين من استفحال النسل، ومما يسمونه بخطر الانفجار السكانى. يقول حكيم الشرق وشاعر الإسلام محمد إقبال: ((وكل ما هو واقع اليوم أو هو على وشك الوقوع فى الغد القريب فى بلادنا، إن هو إلا من آثار دعاية أوربا. هناك سيل عرم من الكتب والوسائل الأخرى قد انجرف فى بلادنا؛ لدعوة الناس إلى اتباع خطة منع الحمل، وتشويقهم إلى قبول حركتها، على حين أن أهل الغرب فى بلادهم أنفسهم يتابعون الجهود الفنية لرفع المواليد وزيادة عدد السكان)). وما ينبغى ألَّا يفوت كل داع حصيف حر فى هذه الأمة، أن الغربيين إنما يبثون هذه الدعوة فيما بيننا؛ حذرًا من أن يقود التفوق السكانى فى منطقة الشرق الأوسط وسائر العالم الإسلامى إلى تفوق فى استخدام الآلة والعلوم؛ فيتحرر بذلك من سلطان الغرب، بل يمتلك زمام القيادة فى إدارة دولاب اقتصادى وسياسى، يقود المنطقة إلى ريادة العالم. أجل, إن الغربيين يخشون هذا، ويتصورونه ماثلا أمامهم، وإن كانت أكثرية هذه الأمة ذاتها لا تتمتع من الطموح والآمال بما يضعها أمام هذا التطور وإمكان حصوله.

صحفة 26

تقول مجلة ((تايم)) الأمريكية فى عددها الصادر فى 11 يناير 1961: ((إن هذيان أمريكا وكل ما تبذل من النصائح والمواعظ عن مشكلة السكان، إنما هو نتيجة ­ إلى حد كبير ­ لشعورها بتلك النتائج والمؤثرات السياسية المتوقعة، على أساس تغير الأحوال فى آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وخاصة على أساس زيادة السكان فى هذه المناطق، بحيث يصبحون أغلبية فى العالم)). ويفضح آرثر كورماك مقاصد الأوربيين فى إلحاحهم على المسلمين بضرورة تحديد النسل، فيقول بكل صراحة: ((إن أهل الشرق لن يلبثوا إلا قليلا حتى يطلعوا على حقيقة هذا الدجل، ثم لا يغتفرونه لأهل الغرب؛ لأنه استعمار من نوع جديد، يهدف إلى دفع الأمم غير المتقدمة ­ ولا سيما الأمم السوداء ­ إلى مزيد من الذل والخسف؛ حتى تتمكن الأمم البيضاء من الاحتفاظ بسيادتها)). وخلاصة الأمر أن الذين يسيرون وراء المكر الغربى ويُخْدَعُون بزخرف أقوالهم، يقولون ­ فى تسويغ انخداعهم ­: إن الرقعة الزراعية فى بلادنا ضئيلة، والسكان فى تكاثر؛ فستضيق الأرض عليهم فى المستقبل بخيراتها. ومكان الخطأ الفاحش فى هذا الوهم أنهم يلاحظون من عوامل الإنتاج الثلاثة الأرض فقط، ويهملون النظر فى العاملين الآخرين: الإنسان ورأس المال. إن أرض مصر تعد فى مقدمة الأجزاء الزراعية من الوطن العربى، ولكنها الآن لم تبق

صحفة 27

زراعية محضة كما كانت، بل أصبحت مصر اليوم تعتمد على الصناعة. لا سيما بعد أن علم أهلها أن أرض مصر كما هى غنية فى ظاهرها بأسباب الزرع والاستنبات، غنية فى باطنها بأسباب الصناعة وموادها، من بترول وفحم وحديد وغير ذلك. ولقد رأينا اليوم الذى تصدر فيه مصر من منتجاتها الصناعية أكثر مما كانت تصدره من منتجاتها الزراعية؛ على أنها لا تزال فى طور الابتداء والتأسيس. فإذا كانت مصر ­ وهى من أولى البقاع الزراعية فى العالم العربى ­ هذا شأنها، فما بالك ببقية البلاد العربية، كالسودان والشمال الإفريقى والجزيرة العربية وأطرافها، وكلها مناطق مليئة بذخر الثروات الصناعية المختلفة؟ لقد اعتمدت أوربا، فى نهضتها الصناعية على أقل من هذا الذخر بكثير، بل اعتمدت فى كثير من الأحيان على استيراد هذه المواد الأولية، كما صنعت سويسرا، وكان معتمدها الأول فى ذلك ثروة السكان والأيدى العاملة، والخبرة التى لا تأتى إلا ثمرة الاختصاص والاصطفاء كما أوضحنا. أليس عجيبًا أن تركل الأمة العربية ­ مع ذلك كله ­ هذه النعمة، فتستجيب لدعوة الماكرين من أعدائها، وتقلص النسل، وتلجأ إلى الانطواء، وتترك ذخر الثروة الصناعية، التى تغلى بها أرضها كأنها المرجل، لتسيل نعمة إلى أرض غيرها؟! هذا كله، وإن طائفة اليهود فى فلسطين، يزدادون كثافة إلى كثافة، ويستقبلون هجرة بعد هجرة، لا يَشْكُون ضائقة، ولا يسترخون لنعيم؛ لأن ضخامة الأمل يدفعهم إلى الاقتحام، ويتغلب عندهم على كل حلم بدائى رخيص.

صحفة 28