مكتب الشيخان للدراسات الإسلامية و العربية: الصفحة الرئيسية من نحن مع من يتعامل المكتب؟ أخبر صديقاً اتصل بنا


هذه الصفحة خاصة بعرض نماذج من أعمال المكتب المختلفة من التحقيق و التأليف فى العلوم الإسلامية و العربية
مركز الشيخان للدراسات الإسلامية و العربية

بسم الله الرحمن الرحيم

سورة هود

{الر كِتَابٌ}(1) [[هود:1]، خبر مبتدأ محذوف [أو خبر ((الر))(2)](3) {أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ } صفة له، أى: أحكمت من جهة اللفظ والمعنى والنظم عن تطرق الخلل؛ فصارت فى غاية الإحكام(4). {ثُمَّ فُصِّلَتْ} أى:


(1) أعلم أن للناس فى هذه الحروف فى بداية السور مذهبين: الأول: أن هذا علم مستور، وسر محجوب، استأثر الله تبارك وتعالى به، فهو من المتشابه. ولم يرتض هذا كثير من المحققين، وقالوا: لا يجوز أن يرد فى كتاب الله تعالى ما لا يكون مفهوما للخلق. المذهب الثانى مذهب من فسرها، وفيه وجهان: الأول، وعليه الأكثر: أنها أسماء للسور. الثانى: أن يكون ورود الأسماء هكذا مسرودةً على نمط التهديد: كالإيقاظ وقرع العصا، لمن تُحُدِّىَ بالقرآن وبغرابة نظمه؛ وكالتحريك للنظر فى أن هذا المتلو عليهم ­ وقد عجزوا عنه عن آخرهم ­ كلام منظوم من عين ما ينظمون منه كلامهم؛ ليؤديهم النظر إلى أن يستيقنوا. ينظر: تفسير القاسمى (2/32).

(2) قال الزجاج: هذا غلط؛ لأن ((الر)) ليس هو الموصوف بهذه الصفة وحده. قال ابن الخطيب: وهذا اعتراض فاسد؛ لأنه ليس من شرط كون الشىء مبتدأ أن يكون خبره محصورًا فيه، ويجوز أن يكون خبر ابتداء مضمر تقديره: ذلك كتاب. قال ابن الخطيب: وهذا عندى ضعيف لوجهين: الأول: أنه على هذا التقدير يقع قوله: ((الر)) كلامًا باطلًا لا فائدة فيه, والثانى: أنك إذا قلت: هذا كتاب، فقولك: ((هذا)) يكون إشارة إلى الآيات المذكورات، وذلك هو قوله: ((لر)) فيصير حينئذ ((الر)) مخبرًا عنه بأنه { كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ } . ينظر: اللباب (10/427).

(3) سقط فى أ.

(4) ((أحكمت)): فى محل رفع صفة لـ ((كتاب))، والهمزة فى ((أحكمت)) يجوز أن تكون للنقل من ((حكم)) بضم الكاف، أى: صار حكيما بمعنى جعلت حكيمة، كقوله: { تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ } [يونس:1]، ويجوز أن يكون من قولهم: ((أحكمت الدابة)) إذا وضعت عليها الحكمة لمنعها من الجماح؛ كقول جرير: [الكامل]

                        أبنى حنيفة أحكموا سفهاءكم         إنى أخاف عليكم أن أغضبا

فالمعنى أنها منعت من الفساد. ويجوز أن تكون لغير النقل، من الإحكام وهو الإتقان كالبناء المحكم المرصف، والمعنى: أنها نظمت نظما رصينا متقنًا. ويجوز أن يكون قوله: ((أحكمت)) أى: لم تنسخ بكتاب كما نسخت الكتب والشرائع بها، قاله ابن عباس، رضى الله عنهما. ينظر: الكشاف (2/377)، والبحر المحيط (5/201)، والدر المصون (4/75).

صحفة 1

 

ميزت بعضها عن بعض فى النزول؛كى لا يختل أمر الاستدلال على الأحكام. فالتراخى على الحقيقة(1).

[وقيل: المراد آيات السورة](2)، إذ ليس فيها منسوخ(3)، فمعنى إحكامها: منعها من النسخ، أو أحكمت بالحجج(4) والدلائل(5)، أو جعلت حكيمة، منقولة من حَكُمَ: إذا صار حكيما؛ لأنها مشتملة على أمهات الحكم النظرية والعملية(6)، ومعنى ((فصلت)) بالفرائد كما يفصل القلائد بالفرائد من العقائد والأحكام والمواعظ والأخبار(7)، أو جعلت فصولا فصولا آية آية، أو فصل فيها ما يحتاج العباد، أى: بيَّن ولخص، فالتراخى رتبى.

[وقرئ: فَصَلَتْ(8) من الثلاثى المجرد، أى: فرقت بين الحق والباطل](9).

وقرئ: {أَحْكَمْتُ آيَاتِهِ ثُمَّ فَصَّلْتُ} على البناء للمتكلم(10). {مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِير} [هود:1] فى تعلقه بــ ((أحكمت آياته ثم فصلت)) طباق(11) حسن؛ لأن معناه: أحكمها حكيم وفصلها [وبينها](12) خبير بالأشياء وأحوالها؛ فصار على أكمل ما ينبغى باعتبار ما ظهر أمره وما خفى.


(1) وجعل الزمخشرى ((ثم)) للترتيب فى الأخبار لا لترتيب الوقوع فى الزمان، فقال: فإن قلت: ما معنى ((ثم))؟

قلت: ليس معناها التراخى فى الوقت، ولكن فى الحال، كما تقول: هى محكمة أحسن الإحكام، مفصلة أحسن التفصيل، وفلان كريم الأصل، ثم كريم الفعل.

ينظر: الكشاف (2/377)، والمحرر الوجيز (3/149)، والبحر المحيط (5/207)، والدر المصون (4/75).

(2) سقط فى أ.

(3) يطلق النسخ فى اللغة على الإبطال والإزالة، ومنه: نسخت الشمس الظل، والريح آثار القدم، ومنه تناسخ القرون، وعليه اقتصر العسكرى، ويطلق ­ أيضا ­ ويراد به النقل والتحويل، ومنه: نسخت الكتاب، أى: نقلته، ومنه قوله تعالى: { إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [الجاثية: 29]، ومنه تناسخ المواريث. ينظر: الصحاح (1/433)، ترتيب القاموس (4/362).

وقد تباينت آراء علماء الأصول هل هو حقيقة فى المعنيين، أم فى أحدهما دون الآخر؟

فحكى الصفى الهندى عن الأكثرين: أنه حقيقة فى الإزالة، مجاز فى النقل.

وقال القفال الشافعى: إنه حقيقة فى النقل.

وقال القاضى أبو بكر الباقلانى والقاضى عبد الوهاب، والغزالى: إنه حقيقة فيهما، مشترك بينهما لفظًا؛ لاستعماله فيهما.

وقال ابن المنير فى ((شرح البرهان)): إنه مشترك بينهما اشتراكًا معنويًّا؛ لأن بين نسخ الشمس الظل ونسخ الكتاب مقداراً مشتركًا، وهو الرفع، وهو فى الظل بيِّن؛ لأنه زال بضده، وفى نسخ الكتاب متعذر؛ من حيث إن الكلام المنسوخ بالكتابة لم يكن مستفادًا إلا من الأصل، فكان للأصل بالإفادة خصوصية، فإذا نسخت الأصل ارتفعت تلك الخصوصية، وارتفاع الأصل والخصوصية سواء فى مسمى الرفع.

وقيل: القدر المشترك بينهما هو التغيير، وقد صرح به الجوهرى. ينظر: أنوار التنـزيل وأسرار التأويل للبيضاوى (1/382)، واللباب لابن عادل الحنبلى (10/428).

(4) جمع حجة، والحجة ­ بالضم ­: الدلالة المبينة للحجة، أى: المقصد المستقيم الذى يقتضى أحد النقيضين، ومنه قوله تعالى: {فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ} [الأنعام: 149]. ينظر: التوقيف على مهمات التعاريف (268).

(5) جمع دليل، والدليل لغة: هو المرشد والكاشف، من: دللت على الشىء, ودللت إليه.

والمصدر: دلولة ودلالة، بكسر الدال وفتحها وضمها، والدالُّ وصف للفاعل.

والدليل ما يتوصل بصحيح النظر فيه إلى العلم بمطلوب خبرى ولو ظنا، وقد يخصه بعضهم بالقطعى.

 ينظر: لسان العرب (دلل)، نهاية السول بهامش التقرير والتحبير (1/8)، والإحكام فى أصول الأحكام للآمدى (1/9)، وفواتح الرحموت (1/20)، والمعتمد (1/9­10, 2/690).

(6) ينظر: أنوار التنزيل (1/382).

(7) السابق.

(8) بفتحتين خفيفة العين، وهى قراءة عكرمة والضحاك والجحدرى وزيد بن على وابن كثير فى روايةٍ. قال أبو البقاء: والمعنى: فرقت؛ كقوله: { فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ } [البقرة: 149]، أى: فارق. وفسرها غيره، بمعنى فصلت بين المحق والمبطل، وهو أحسن. ينظر: اللباب (10/428).

(9) ما بين المعقوفين سقط فى أ.

(10) انظر: الإملاء للعكبرى (2/19)، والتبيان للطوسى (5/446)، والمحتسب لابن جنى (1/318).

(11) عرفه العلوى فى كتابه ((الطراز)) فقال: ((ويقال له: التضاد والتكافؤ والطباق، وهو أن يؤتى بالشىء وبضده فى الكلام، كقوله تعالى: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا} [التوبة: 82]، واعلم أن هذا النوع من علم البديع متفق على صحة معناه وعلى تسميته بالتضاد والتكافؤ، وإنما وقع الخلاف فى تسميته بالطباق والمطابقة والتطبيق، وسماه ابن رشيق فى كتابه ((العمدة)): ((المطابقة)) وعرفه فقال: ((أن يأتلف فى معناه ما يتضاد فى فحواه، والمطابقة عند جميع الناس جمعك بين الضدين فى الكلام أو فى بيت الشعر))، وعرفه الخليل بن أحمد فقال: ((طابقت بين الشيئين، إذا جمعت بينهما على حذو واحد وألصقتهما)). كما عرفه الأصمعى فقال: ((المطابقة أصلها وضع الرجل فى موضع اليد فى مشى ذوات الأربع)). ينظر: معجم المفصل فى علوم البلاغة (596­597).

(12) سقط فى أ.

صحفة 2

 

{أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ} مفعول له، أى: لئلا تعبدوا أو نهى، و((أن)) مفسرة(1)، لأن فى تفصيل الآيات معنى القول، أو أمر؛ لأن فيه معنى الأمر، أى: أمرتم ألا تعبدوا إلا الله، ويجوز أن يكون كلاما مبتدأ منقطعا عما قبله على لسان النبى - صلى الله عليه وسلم - بتقدير ((قل))؛ إغراء منه على تخصيص الله تعالى بالعبادة، أو أمر به، ويدل عليه قوله: [{وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ} عطف على {أَلَّا تَعْبُدُوا}](2).


(1) فى قوله: {أَلَّا تَعْبُدُوا} أوجه:

أحدها: أن تكون أن المخففة من الثقيلة، و ((لا تعبدوا)) جملة نهى فى محل رفع خبر لـ ((أن)) المخففة، واسمها على ما تقرر ضمير الأمر والشأن محذوف.

والثانى: أنها المصدرية الناصبة، ووصلت هنا بالنهى، ويجوز أن تكون ((لا)) نافية، والفعل بعدها منصوب بـ ((أن)) نفسها. وعلى هذه التقادير فـ ((أن)): إما فى محل جر أو نصب أو رفع. فالجر والنصب على أن الأصل: لئلا تعبدوا، أو بألا تعبدوا، فلما حذف الخافض جرى الخلاف المشهور، والعامل: إما ((فصلت)) وهو المشهور، وإما ((أحكمت)) عند الكوفيين. فتكون المسألة من باب الإعمال؛ لأن المعنى: أحكمت لئلا تعبدوا أو بألا تعبدوا، فـ: ((ألا تعبدوا)) هـو المفعول الثانى لـ ((ضمن)) والأول قام مقام الفاعل. وأما الرفع فمن أوجه: أحدها: أنها مبتدأ، وخبرها محذوف، فقيل: تقديره: من النظر ألا تعبدوا إلا الله. وقيل: تقديره: فى الكتاب ألا تعبدوا إلا الله. والثانى: خبر مبتدأ محذوف، فقيل: تقديره: تفصيله ألا تعبدوا إلا الله. وقيل: تقديره: هى ألا تعبدوا إلا الله. والثالث: أنه مرفوع على البدل من ((آياته)). قال أبو حيان: وأما من أعربه أنه بدل من لفظ ((آيات)) أو من موضعها، يعنى: أنها فى الأصل مفعول بها فموضعها نصب، وهى مسألة خلافية، هل يجوز أن يراعى أصل المفعول القائم مقام الفاعل، فيتبع لفظه تارة وموضعه أخرى، فيقال: ضربت هند العاقلة بنصب العاقلة باعتبار المحل، ورفعها باعتبار اللفظ، أم لا؟ مذهبان، المشهور مراعاة اللفظ فقط.

الوجه الثالث: أن تكون مفسرة؛ لأن فى تفصيل الآيات معنى القول؛ فكأنه قيل: لا تعبدوا إلا الله إذ أمركم. وهذا أظهر الأقوال؛ لأنه لا يحوج إلى إضمار. ينظر: اللباب (10/429­430).

(2) ما بين المعقوفين سقط فى ب.

صحفة 3


{إِنَّنِى لَكُمْ مِنْهُ} من جهته {نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} أى: ألا تعبدوا إلا الله، أو التزموا ترك عبادة غير الله تعالى على أن ((أن)) مصدرية و((لا)) نافية، وإنما قدم ((نذير)) على ((بشير))؛ لأن الإنذار أعم وأهم. {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} أى: استغفروا من الكفر والمعصية، ثم توبوا إلى الله تعالى بالطاعة، والتراخى على الحقيقة، ويجوز أن يراد التراخى فى الرتبة؛ لأن التحلية أفضل من التخلية، والاستغفار ينتظم الندم على ما سلف، وإحسان العمل فى المؤتنف(1)، حتى يكون راجعًا بعمله إلى ربه؛ ولهذا قدم ذكر الاستغفار على التوبة، أى: اطلبوا مغفرة ربكم بالإسلام والندم على ما ساير الإجرام، والثبات على الطاعة فى باقى الأيام، وارجعوا إلى الله تعالى بالإخلاص والاستسلام على الثبات والدوام. {يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا} فى خفض عيش وسعة وأمن ودعة {إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} يعنى: عند الله تعالى، هو آخر أعماركم المقدرة؛ إذ لا يهلككم بعذاب الاستئصال(2). {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ} فى العمل والطاعة {فَضْلَهُ} جزاء فضله فى الآخرة، أو كل ذى فضل فى الدين فضله فى الثواب والدرجات؛ فإن الدرجات تتفاضل فى الجنة بحسب تفاضل الأعمال. {وَإِنْ تَوَلَّوْا} وإن تتولوا، وقرئ:(3) [تُوَلُّوا] من ((ولَّى)) {فَإِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} أى: يوم القيامة، وصف بالكبر كما وصف بالعظم والثقل {إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ} رجوعكم فى ذلك اليوم.


(1) يقال: ائتنفه: ابتدأه واستقبله. ينظر: المعجم الوسيط (1/30)، [أنف].

(2) ينظر: تفسير البيضاوى (1/382).

(3) قراءة الجمهور بفتح التاء والواو واللام المشددة، فيها احتمالان:

أحدهما: أن الفعل مضارع ((تولى)) وحذف منه إحدى التاءين تخفيفا نحو: {تّنَزَّلُ} [القدر: 4].

صحفة 4

 

{وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} بيان لوجه كبر ذلك اليوم بأن مرجعهم إلى من هو قادر على كل شىء لا إلى غيره؛ فهو قادر على أشد ما يريده من العذاب، ولا يمكنهم التفصِّى(1) عنه. {أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ} يَزْوَرُّون عن الحق وينحرفون عنه؛ لأن من ازور عن الشىء ثنى عنه صدره وطوى عنه كشحه(2)، كما أن من توجه إليه استقبله بصدره، أو يعطفون صدورهم على الكفر وعداوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أى: يضمرونها. وقرئ: {تَثْنَوْنِى} بالثاء والتاء من ((اثْنَوْنَى)): افعوعل، من: الثنى، كاحلولى من الحلاوة، وهى بناء مبالغة(3). وقرئ(4): {تَثْنَوِنُّ} بالثاء والتاء، وأصله تَثْنَوْنِنُ: تَفْعَوْعِلُ من الثنِّ، وهو ما هش وضعف من الكلأ(5)، أى تطاوع صدورهم للثنى كما ينثنى الهش من النبات، أو تضعف قلوبهم وإيمانهم. و: {تَنْثَئِنُّ}، من ((اثْنَأَنَّ)):


وهذا هو الظاهر؛ ولذلك جاء الخطاب فى قوله: [عَلَيْكُمْ].

والثانى: أنه فعل ماض مسند لضمير الغائبين، وجاء الخطاب على إضمار القول، أى: فقل لهم: إنى أخاف عليكم، ولولا ذلك لكان التركيب: فإنى أخاف عليهم. وقرأ اليمانى وعيسى بن عمر: {تُوَلُّوا} بضم التاء، وفتح الواو وضم اللام، وهو مضارع ((وَلَّى))؛ كقولك: زكَّى يزكِّى. ونقل صاحب ((اللوامع)) عن اليمانى وعيسى بن عمر: {وإن تُوُلُُّوا} بثلاث ضمات مبنيا للمفعول. وقرأ الأعرج: {تُولُوا} بضم التاء وسكون الواو وضم اللام مضارع ((أَوْلَى))، وهذه القراءة لا يظهر لها معنى طائل هنا، والمفعول محذوف يقدر لائقا بالمعنى. ينظر: البحر المحيط (5/201)، والكشاف (2/258)، واللباب (10/433).

(1) التفصى: التخلص؛ يقال: تفصَّى فى الشىء وعنه: تخلص منه. ينظر: المعجم الوسيط (2/699).

(2) الكشح: ما بين الخاصرة والضلوع، ينظر: المعجم الوسيط (1/788).

(3) وهى قراءة ابن عباس، وعلى بن الحسين وابنيه زيد ومحمد، وابنه جعفر، ومجاهد، وابن يعمر، وعبد الرحمن بن أبزى. ينظر: المحتسب (1/318)، والإعراب للنحاس (2/79).

(4) وهى قراءة ابن عباس وعروة وابن أبزى والأعمش. ينظر: الكشاف (2/379)، المحرر الوجيز (3/151)، البحر المحيط (5/203)، الدر المصون (4/78)، اللباب (10/435)، الإعراب (2/80)، المحتسب (1/319).

(5) الكلأ: العشب رطبه ويابسه. ينظر: المعجم الوسيط (2/793).

صحفة 5

 

((افْعَالَّ)) منه، ثم همز كما همز ((ابْيَأَضَّ)) فى ((ابْيَاضَّ)). و: {تَثْنَوِى} بوزن: ترعوى(1). {لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ} أى: يريدون ليستخفوا من الله تعالى، فلا يُطْلِعُ رسولَهُ والمؤمنين على أوزارهم؛ لأن ثنى الصدر بمعنى الإعراض إظهارٌ للنفاق، فلا يصح تعليله بالاستخفاء، ونظير إضمار ((يريدون)) لِقَوْدِ(2) المعنى إلى إضماره(3)، الإضمار فى قوله تعالى: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِى اللَّهُ الْمَوْتَى} أى: فضربوه فَحَىَّ، كذلك يحيى الله الموتى؛ فالمعنى: يظهرون النفاق ويريدون مع ذلك أن يستخفوه، هذا على الوجه الأول من التفسير،  وأما على الثانى فلا حاجة إلى الإضمار.


(1) وقرأ ابن عباس ­ رضى الله عنهما ­ أيضًا: {تثنوى} بفتح التاء وسكون المثلثة، وفتح النون وكسر الواو بعدها ياء ساكنة بزنة ((ترعوى))، وهى قراءة مشكلة جدا، حتى قال أبو حاتم: وهذه القراءة غلط لا تتجه، وإنما قال: إنها غلط؛ لأنه لا معنى للواو فى هذا الفعل؛ إذ لا يقال: ثنوته فانثوى كرعوته ­ أى: كففته ­ فارعوى، أى: فانكف، ووزنه: افْعَلَّ، كاحْمَرَّ. ينظر: اللباب (10/436).

(2) أى: لتأدية، قال الزمخشرى: يعنى: ويريدون ليستخفوا من الله فلا يُطْلع رسوله والمؤمنين على أوزارهم، ونظير إضمار ((يريدون)) لقود المعنى إلى إضماره الإضمار فى قوله: { أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ } الآية [الشعراء: 63] معناه: ((فضرب فانفلق)). قال شهاب الدين: وليس المعنى الذى يقودنا إلى إضمار الفعل هناك كالمعنى هنا؛ لأن ثَمَّ لا بد من حذف معطوف يضطر العقل إلى تقديره؛ لأنه ليس من لازم الأمر بالضرب انفلاق البحر، فلا بد أن يتعقل ((فضرب فانفلق))، وأما فى هذه فالاستخفاء علة صالحة لثنيهم صدورهم؛ فلا اضطرار بنا إلى إضمار الإرادة. والضمير فى ((منه)) فيه وجهان: أحدهما: أنه عائد على رسول الله ­ صلوات الله البر الرحيم وسلامه عـليه ­ وهو ظاهر على تعلق اللام بـ ((يثنون)). والثانى: أنه عائد على الله تعالى كما قال الزمخشرى. انظر: اللباب (10/437).

(3) أى: الإضمار على شريطة التفسير، وهو أن يحذف من صدر الكلام ما يؤتى به فى آخره، فيكون الآخر دليلا على الأول. ينظر: المعجم المفصل (10/156).

صحفة 6


{أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ} يتغطونها يريدون الاستخفاء أيضا؛ كراهة لاستماع كلام الله تعالى، كقول نوح ­ عليه السلام­: {جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِى آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ} [نوح:7]، أى: ألا حين يزيدون فى إظهار نفاقهم ويفعلون ما هو أدل عليه من ثنى، قال ابن عباس(1) ­ رضى الله عنهما ­: إنها نزلت فى أخنس بن شريق(2)، وكان يظهر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - (3) المحبة، وله منطق حلو وحسن سياق للحديث؛ بحيث كان يعجب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مجالسته ومحادثته، وهو يضمر خلاف ما يظهر، وقيل: نزلت فى المنافقين جميعا، وكون النفاق فى المدينة غير مسلم، بل ظهروه والامتياز بثلاث طوائف كان فيها.


(1) هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشمى أبو العباس المكى ثم المدنى ثم الطائفى، ابن عم النبى - صلى اللله عليه وسلم - وصاحبه وحبر الأمة وفقيهها وترجمان القرآن، روى ألفا وستمائة وستين حديثًا، اتفقا على خمسة وسبعين، وانفرد البخارى بثمانية وعشرين، ومسلم بتسعة وأربعين، وروى عنه أبو الشعثاء، وأبو العالية، وسعيد بن جبير، وابن المسيب, وعطاء بن يسار، وأمم، قال موسى بن عبيدة: كان عمر يستشير ابن عباس، ويقول: غواص، وقال سعد: ما رأيت أحضر فهمًا، ولا ألب لبا، ولا أكثر علما، ولا أوسع حلما من ابن عباس، ولقد رأيت عمر يدعوه للمعضلات، وقال عكرمة: كان ابن عباس إذا مر فى الطريق قالت النساء: أمر المسك أو ابن عباس؟ وقال مسروق: كنت إذا رأيت ابن عباس قلت: أجمل الناس، وإذا نطق قلت: أفصح الناس، وإذا حدث قلت: أعلم الناس. مناقبه جمة، قال أبو نعيم: مات سنة ثمان وستين، قال ابن بكير: بالطائف، وصلى عليه محمد بن الحنفية. ينظر: خلاصة تهذيب الكمال (2/69).

(2) هو الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب بن علاج بن أبى سلمة بن عبد العزى بن غيرة بن عوف بن كفيف الثقفى، يكنى أبا ثعلبة. كان الأخنس حليفا لبنى زهرة ومقدما فيهم، فلما خرجت قريش إلى بدر، وأتاهم الخبر عن أبى سفيان بن حرب أنه قد نجا من النبى، وأجمعت قريش على إتيان بدر، أشار الأخنس على بنى زهرة بالرجوع إلى مكة، وقال لهم: قد نجى الله عيركم التى مع أبى سفيان؛ فلا حاجة لكم فى غيرها، فعادوا، فلم يقتل منهم أحد ببدر، وحينئذ لقب: الأخنس. ينظر: أسد الغابة (1/166)، وتجريد أسماء الصحابة (1/11).

(3) ذكره البغوى فى تفسيره (2/373)، وابن عادل الحنبلى فى اللباب (1/438).

صحفة 7


{يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ} فى قلوبهم {وَمَا يُعْلِنُونَ} بأفواههم، أراد التسوية بينهما؛ ولهذا عدل عن أسلوب الترقى الظاهر فى خلافه، أى: يستوى فى علمه سرهم وعلنهم، فكيف يخفى عليه ما يضمرونه؟!

{إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}، بسرائرها وضمائرها، تعليل على سبيل الاستئناف للتلويح المذكور فى قوله: {يعلم} إلخ، و((ألا)) و((إن)) للتنبيه على جهلهم وفساد اعتقادهم والاستغشاء وثنى الصدور.

{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِى الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} أسباب معاشها لتكفله إياه تفضلا ورحمة، وإنما أتى بلفظ الوجوب؛ تحقيقا لوصوله وحملا على التوكل فيه.

{وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا} أماكنها فى الحياة والممات والأصلاب والأرحام، أو مساكنها من الأرض حين وجدت بالفعل، ومودعها من المواد والمقار حين كانت بعد بالقوة(1)، {كُلٌّ} كل واحد من الدواب وأحوالها {فِى كِتَابٍ مُبِينٍ} مثبت فى اللوح المحفوظ، بيان وتقرير لكونه تعالى عالما بجميع المعلومات، والآية التى بعدها بيان لكونه قادرًا على كل شىء، وتقرير لما سبق من التوحيد والوعد والوعيد.

{وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ} مر تفسيره فى سورة الأعراف(2)، ووجه الجمع فى الأولى والإفراد فى الثانية فى سورة الأنعام(3).

{وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} عرشه عبارة عن قيوميته تعالى، والماء إشارة إلى صفة الحياة(4)، إذ من الماء كل شىء حى، وفى ((على)) بيان بناء الأولى على الثانية، أى: وكان حيا قيومًا؛ فلا دلالة فيه على إمكان الخلاء، ولا على أن الماء أول حادث بعد العرش من أجرام هذا العالم، وليت شعرى من أين الدلالة على تأخر خلق الماء عن خلق العرش(5)؟! {لِيَبْلُوَكُمْ} علة للخلق، أى خلق ذلك ليعاملكم معاملة المبتلى لأحوالكم كيف تعملون؛ فإن جملة ذلك أسباب ومواد لوجودكم ومعاشكم وما يحتاج إليه أعمالكم، ودلائل وأمارات يستدلون بها ويستنبطون منها، ولما كان الابتلاء ­ أى الاختبار ­ أحد طرق العلم وأشهرها وأعملها، استعير للعلم؛ لأنه ملابس له؛ كالنظر فى قوله: {فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ} [النحل:28]، وإنما قال: {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} وهم المتقون، وفى المخاطبين من عمله قبيح وأقبح؛ لأمرين:


(1) ينظر: تفسير البيضاوى (1/383).

(2) عند تفسيره سورة الأعراف آية (54) ورقة (221) {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى}: أى ليس ربكم وحافظكم ومدبركم ما عبدتموه من الأصنام والكواكب والملائكة والجن والإنس، بل كل ذلك مربوب ومخلوق ومحتاج إلى مدبر وحافظ، بل ربكم وحافظكم {اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا} على ما بينه فى موضع آخر، جعل الخبر موصولا على كون ذلك معهودًا عند السامع، ومفروغًا من تحقيق النسبة والعلم به {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} فى صحيح مسلم عن أبى هريرة - رضى الله عنه - قال: أخذ بيدى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الأشجار يوم الاثنين، وخلق الظلمة يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة آخر الخلق فى آخر ساعة من ساعات يوم الجمعة فيما بين العصر إلى الليل))، والمراد من اليوم مقدار دورة العرش من الزمان.

(3) قال فى سورة الأنعام آية (1) ورقة (198): جمع السموات والأرض مع أنها مثلهن فى التعدد؛ لأن طبقاتها مختلفة بالحقيقة على ما ورد فى الأخبار.

(4) وهذا تأويل يصرف اللفظة عن ظاهرها، وتفسير { وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ } أى: ما كان تحته قبل خلق السموات والأرض وارتفاعه فوقها، إلا الماء، وفيه دليل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل السموات والأرض، كذا فى ((الكشاف)). وقال القاضى: أى لم يكن بينهما حائل، لا أنه كان موضوعًا على متن الماء. قال قتادة: ينبئنا تعالى فى هذه الآية كيف كان بدء خلقه قبل أن يخلق السموات والأرض. روى الإمام أحمد عن أبى رزين ­ واسمه لقيط بن عامر العقيلى­ قال: قلت: يا رسول الله، أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: كان فى عماء، ما تحته هواء، وما فوقه هواء، ثم خلق العرش بعد ذلك، رواه الترمذى وحسنه وقال: قال أحمد: يريد بالعماء أنه ليس معه شىء. ينظر: تفسير القاسمى (9/95­96).

(5) وهذا من المصنف؛ ردا على الإمام البيضاوى كما جاء فى تفسيره أنوار التنـزيل (1/383)، وينظر: حاشية الشهاب على البيضاوى (5/125).

صحفة 8

 

أحدهما: أن المقصود من الخلق بالقصد الأول وبالذات هو الإيمان(1) والعمل الصالح، ونظره إلى ما هو أحسن من ذلك لا إلى القبيح والأقبح.

والثانى: التحريض والحث على حسن العمل والترغيب فيه وهو أعم من الأعمال البدنية: كالطاعات، والخيرات، والقلبية: كالاعتقادات، والنيات؛ فكأنه قال: ليظهر من هو أكمل علما وعملًا، ويتميز ممن هو على خلافه؛ ولهذا قال النبى ­ عليه السلام ­: ((ليبلوكم أيكم أحسن عقلا، وأورع من محارم الله، وأسرع فى طاعة الله))(2). وفيه تعظيم للمحسنين المتقين، أو تشريف لهم، وإشارة إلى أنهم من الله تعالى بمكان.


(1) الإيمان: مصدر ((آمن)) و ((آمن)) أصله من ((الأمن)) ضد: الخوف، يقال: آمن فلان العدو يؤمنه إيمانا، فهو مؤمن، ومن هنا يأتى الإيمان بمعنى: جعل الإنسان فى مأمن مما يخاف، جاء فى ((اللسان)): قرئ فى سورة براءة: { لَا أَيْمَانَ لَهُمْ} [التوبة:12] من قرأه بكسر الألف معناه: أنهم إن أجاروا وأمنوا المسلمين لم يفوا وغدروا، والإيمان هنا: الإجارة. والغالب أن يكون الإيمان لغة بمعنى التصديق ضد التكذيب، يقال: آمن بالشىء: إذا صدق به، وآمن لفلان: إذا صدقه فيما يقول، ففى التنـزيل: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} [يوسف:17]، وفيه: { وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِى فَاعْتَزِلُونِ } [الدخان: 21]. والإيمان فى الاصطلاح مختلف فيه: فقيل: هو تصديق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما جاء به من عند الله، مع إظهار الخضوع والقبول لما أتى به؛ فهو اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان. والمراد بالاعتقاد: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، على ما ورد فى حديث جبريل عليه السلام. والمراد بقول اللسان: النطق بالشهادتين. والمراد بالعمل بالجوارح: فعلها وكفها تبعا للأمر والنهى. قال ابن حجر العسقلانى: هذا قول السلف، وهو أيضا قول المعتزلة، إلا أن المعتزلة جعلوا الأعمال شرطا فى صحة الإيمان، والسلف جعلوها شرطا فى كماله. وقيل: الإيمان هو: التصديق بالقلب واللسان فقط، وهو قول بعض الفقهاء؛ بناء على أن هذا هو الوضع اللغوى للفظ «الإيمان»، وأن الأصل عدم النقل، وليست الأعمال عندهم داخلة فى مسمى الإيمان، فإذا وجد لدى الإنسان الإيمان وجد كاملا، وإن زال زال دفعة واحدة. أما على قول السلف المتقدم، فإن الإيمان درجات بحسب قوة التصديق؛ لوضوح الأدلة وجودة الفهم، ويزيد الإيمان بالطاعات، وينقص بالمعاصى، ويتفاضل الناس فيه. ينظر: لسان العرب (أمن)، وشرح العقائد النسفية ص (151).

(2) أخرجه السيوطى فى الدر المنثور (3/322)، وعزاه لداود بن المحبر فى كتاب العقل، وابن جرير، وابن أبى حاتم، والحاكم فى التاريخ، وابن مردويه عن ابن عمر.

صحفة 9


{وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ} للجزاء على ما انكشف منكم بالابتلاء {لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} إشارة إلى القول بالبعث(1)، أى: إنه باطل كالسحر(2) الظاهر البطلان فى الخديعة، أو إلى القرآن؛ لأنه ناطق بالبعث، فإذا جعلوه ظاهر البطلان كالسحر لزم بطلان ما فيه من البعث، وغيره كالوعد والوعيد.


(1) يعرف الإمام البيجورى البعث بأنه: عبارة عن: إحياء الموتى وإخراجهم من قبورهم بعد جمع أجزائهم الأصلية وإعادة الروح إليها. ويعرفه الإمام السنوسى بأنه: جمع الأجساد وإحياؤها وسوقها إلى الموقف وغيره من مواطن الآخرة، إما بمعنى إعادة الجواهر بعد إعدامها، أو بمعنى ضمها وجمعها بعد تبديدها، وكلاهما ممكن، وكل ممكن أخبر الصادق بوقوعه فهو حق فالإعادة حق. وعرفه بعضهم بأنه: إعادة الإنسان روحا وجسدًا كما كان فى الدنيا، وهذه الإعادة تكون بعد العدم التام، ولا يستطيع الإنسان معرفة هذه النشأة الأخرى؛ لأنها تختلف تمام الاختلاف عن النشأة الأولى. ينظر: شرح الباجورى على الجوهرة للإمام إبراهيم الباجورى ص (70)، عقيدة أهل التوحيد للسنوسى (2/315)، تفسير المنار، محمد رشيد رضا (11/413).

(2) اختلف الفقهاء وغيرهم من العلماء فى تعريف السحر اختلافا واسعا، ولعل مرد الاختلاف إلى خفاء طبيعة السحر وآثاره؛ فاختلفت تعريفاتهم له تبعا لاختلاف تصورهم لحقيقته: فمن ذلك ما قال البيضاوى: المراد بالسحر: ما يستعان فى تحصيله بالتقرب إلى الشيطان مما لا يستقل به الإنسان، وذلك لا يحصل إلا لمن يناسبه فى الشرارة وخبث النفس. قال: وأما ما يتعجب منه كما يفعله أصحاب الحيل والآلات والأدوية، أو يريه صاحب خفة اليد، فغير مذموم، وتسميته سحرا هو على سبيل التجوز؛ لما فيه من الدقة؛ لأن السحر فى الأصل لما خفى سببه. ا هـ. ونقل التهانوى عن ((الفتاوى الحمادية)): السحر: نوع يستفاد من العلم بخواص الجواهر وبأمور حسابية فى مطالع النجوم، فَيُتخذ من ذلك هيكل على صورة الشخص المسحور، ويُتَرصد له وقت مخصوص فى المطالع، وتقرن به كلمات يتلفظ بها من الكفر والفحش المخالف للشرع، ويتوصل بها إلى الاستعانة بالشياطين، ويحصل من مجموع ذلك أحوال غريبة فى الشخص المسحور. ينظر: التهانوى (كشاف اصطلاحات الفنون) (3/648).

 

صحفة 10

 

وقرئ: {إلا ساحر}(1) إشارة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أى: كاذب مبطل كالساحر، وقرئ: {أنكم} بفتح الهمزة على تضمين ((قلت)) معنى ((ذكرت))، أو على أن ((أن)) بمعنى ((لعل))، أى: ولئن قلت: لعلكم مبعوثون بمعنى توقعوا بعثكم، ولا تجزموا بإنكاره ­ يعدوه من قبيل ما لا حقيقة له؛ مبالغة فى إنكاره. واللام فى ((لئن)) موطئة للقسم فى الآيات الأربع، والجواب له سادٌّ مسد جواب الشرط. {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ} الموعود {إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ} إلى جملة من الأوقات قليلة {لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ} ما يمنعه من الوقوع {أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ} كيوم بدر(2) {لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ} ليس العذاب مدفوعا عنهم، و((يوم)) منصوب بخبر ((ليس)) مقدم عليه، قيل: هو دليل على جواز تقدم خبرها عليها؛ إذ المعمول لا يقع إلا حيث يقع العامل، والمخالف يمنع دلالة جواز تقدم المعمول على جواز تقدم العامل، وأيضا الظرف والمجرور يتسع فيهما ما لا يتسع فى غيرهما، ويقعان حيث لا يقع العامل فيه(3).


(1) وهى قراءة حمزة والكسائى. ينظر: الإتحاف (2/123)، والمحرر الوجيز (3/153)، والبحر المحيط (5/206)، والدر المصون (4/81).

(2) بدر: قرية مشهورة على نحو أربع مراحل من المدينة الشريفة، قيل: نسبت إلى بدر بن مخلد بن النضر بن كنانة، وقيل: إلى بدر بن الحارث، وقيل: إلى بدر بن كلدة، وقيل: بدر: اسم البئر التى بها، سميت بذلك لاستدارتها أو لصفائها، فكان البدر يرى فيها، وأنكر ذلك غير واحد من شيوخ بنى غفار، وقالوا: هى ماؤنا ومنازلنا وما ملكها أحد قط يقال له بدر، وإنما هو عَلَمٌ عليها كغيرها من البلاد، قال الإمام البغوى: وهذا قول الأكثر. وكانت الواقعة فى شهر رمضان لسبع عشرة خلت منه، وفرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من شأن بدر والأسارى فى شوال. ينظر: سبل الهدى والرشاد (4/120).

(3) وقد استدل بالآية جمهور البصريين على جواز تقديم خبر ((ليس)) عليها، ووجه ذلك: أن تقديم المعمول يؤذن بتقديم العامل، و «يوم» منصوب بـ ((مصروفا» وقد تقدم على ((ليس))، فليجز تقديم الخبر بطريق الأولى؛ لأنه إذا تقدم الفرع فأولى أن يتقدم الأصل. وقد رد بعضهم هذا الدليل بشيئين: أحدهما: أن الظرف يتوسع فيه ما لا يتوسع فى غيره. والثانى: أن هذه القاعدة منخرمة؛ إذ لنا مواضع يتقدم فيها المعمول ولا يتقدم فيها العامل، وأورد من ذلك نحو قوله تعالى: { فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ } [الضحى: 9, 10] فـ ((اليتيم)) منصوب بـ ((تقهر)) و ((السائل)) منصوب بـ ((تنهر)) وقد تقدما على ((لا)) الناهية، ولا يتقدم العامل­ وهو المجزوم ­ على ((لا)). قال أبو حيان: وقد تتبعت جملة من دواوين العرب فلم أظفر بتقديم خبر ((ليس)) عليها، ولا بمعموله إلا ما دل عليه ظاهر هذه الآية وقول الشاعر: [الطويل]

                            فيأبى فما يزداد إلا لجاجة             وكنت أبيا فى الخنى لست أقدم

واسم ((ليس)) ضمير عائد على ((العذاب))، وكذلك فاعل ((يأتيهم))، والتقدير: ألا ليس العذاب مصروفا عنهم يوم يأتيهم العذاب. وحكى أبو البقاء عن بعضهم أن العامل فى ((يوم يأتيهم)) محذوف تقديره: أى: لا يصرف عنهم العذاب يوم يأتيهم، ودل على المحذوف سياق الكلام. ينظر: اللباب (10/143).

صحفة 11

 

وكان ما ذكر استعجالا منهم للتعذيب على وجه التكذيب والاستهزاء؛ ولذلك قال: {وَحَاقَ بِهِمْ} أى: أحاط بهم {مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} واضعا ((يستهزءون))  مكان ((يستعجلون))، كأنه محض الاستهزاء، ولكون عذابهم محقق الوقوع عما قريب، أورد ((حاق)) موضع ((يَحِيقُ))، على عادة كلام الله تعالى، كأنه قد وقع مبالغة فى التهديد. {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً} نعمة من صحة وأمن وخصب وجِدَةٍ؛ بحيث يجد ذوقها ولذتها {ثُمَّ نَزَعْنَاهَا} سلبناها {مِنْهُ} وفى عبارة النـزع إشارة إلى ما فى السلب المذكور من شدة الألم {إِنَّهُ لَيَئُوسٌ} شديد اليأس من عود مثلها إليه، قاطع رجاءه من فضل الله تعالى وسعة رحمته، غير صابر ولا مسترجع، ولا مسلم لقضائه {كَفُورٌ} عظيم الكفران بما سلف له من كفران النعمة، {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ} صحة بعد سقم، وغنى بعد عدم، وفى ذكر الإذاقة مع النعماء والمس مع الضر إشارة إلى أن النعمة أدوم، حتى يجد الإنسان ذوقها ويتلذذ بها، بخلاف الضر؛ فإن المس مبدأ الوصول، ففيه دلالة على قلة صبرهم، كأنهم بمجرد أثره جزعوا أو كفروا النعمة الطويلة الزمان، {لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّى} أى البليات التى ساءتنى { إِنَّهُ لَفَرِحٌ} أَشِرٌ بَطِرٍ {فَخُورٌ}  على الناس؛ بما أذاقه الله تعالى من نعمائه، قد شغله الفرح والفخر عن الشكر {إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا} على الضراء {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} شكرًا لآلائه سابقها ولاحقها، فإن فى قوله: {صَبَرُوا} دلالة على هذا؛ لأن الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر، أى: المؤمنين الذين عادتهم الصبر عند زوال النعمة ووقوع الضراء، والشكر عند النعماء ­ استثناء من ((الإنسان))، واللام لاستغراق الجنس(1)؛ كما فى قوله: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر: 2]، ومن خص الإنسان بالـكـافر ­ لسبق ذكرهم ­ جعل الاستثناء منقطعًا، {أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ} لذنوبهم {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} ثواب عظيم.


(1) قوله: {إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه منصوب على الاستثناء المتصل؛ إذ المراد به جنس الإنسان لا واحد بعينه. والثانى: أنه منقطع؛ إذ المراد بالإنسان شخص معين. وهو على هذين الوجهين منصوب المحل. والثالث: أنه مبتدأ، والخبر الجملة من قوله: {أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ} وهو منقطع أيضا. والمعنى: أن هؤلاء لا يكونون عند البلاء من الصابرين وعند الراحة والخير من الشاكرين. قال الفراء: هو استثناء منقطع، معناه: لكن الذين صبروا وعملوا الصالحات؛ فإنهم إن يأتهم شدة صبروا، وإن نالوا نعمة شكروا. ينظر: اللباب (10/445).

صحفة 12