مكتب الشيخان للدراسات الإسلامية و العربية: الصفحة الرئيسية من نحن مع من يتعامل المكتب؟ أخبر صديقاً اتصل بنا


هذه الصفحة خاصة بعرض نماذج من أعمال المكتب المختلفة من التحقيق و التأليف فى العلوم الإسلامية و العربية
مركز الشيخان للدراسات الإسلامية و العربية

نزول القرآن الكريم وكيفيته

ونعرض فى هذا المبحث لتنزلات القرآن الكريم، وكيف كانت هذه التنزلات. فمن عظمة هذا القرآن وسمو منزلته وشأنه، أن الله ­ سبحانه وتعالى ­ جعل له ثلاثة تنزلات، امتاز بها دون سائر الكتب السماوية، وذلك إنما يدل على رفعة هذا القرآن، ومدى إعزاز الله ­ عز وجل ­ له.

 معنى نزول القرآن:

النزولُ لغةً يراد به: الحلول، يقال: نزل فلان بالمدينة: حل بها، وبالقوم: حل بينهم، والإنزال معناه: الإحلال، يقال: أنزلته بين القوم، أى: أحللته بينهم(1).

ويطلق النزول أيضًا على تحرك الشىء من علو إلى سفل، فيقال: نزل فلان من الجبل. والإنزال هنا معناه: التحريك من علو إلى سفل، ومنه قوله تعالى: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} [الرعد: 17].

هذا هو المعنى اللغوى للنزول، ومن الواضح: أنه لا يعقل أن يليق بنزول القرآن الكريم على وجه الحقيقة؛ وذلك لأن المعنيين اللغويين السابقين يقتضيان المكانية والجسمية والانتقال، وذلك سواء أردنا بالقرآن الكريم: المعنى القديم القائم بذاته ­ عز وجل ­ أو الكلمات الحكميَّة الأزليَّة، أو اللفظ العربى المبين، الذى هو صورة ومظهر للكلمات الحكميَّة القديمة؛ وذلك لما علم من تنزه الصفة القديمة ومتعلقها ­ وهو الكلمات الغيبية الأزلية ­ عن المواد مطلقًا؛ ولأن الألفاظ أعراض سيالة، تنتهى بمجرد النطق بها، ولا يتأتى منها نزول ولا إنزال.


(1) ينظر: القاموس المحيط (نزل)، المصباح المنير (نزل).

صحفة 1

وعلى هذا، فإن المراد بنزول القرآن الكريم هاهنا ­ هو المعنى المجازى، فإن أردنا بالقرآن الصفة القديمة أو متعلقها، فيكون المراد بالإنزال: الإعلام به، بواسطة إثبات الألفاظ والحروف الدالة عليه، من قبيل إطلاق الملزوم وإرادة اللازم.

وإن أردنا بالقرآن اللفظ العربى الدال على الصفة القديمة؛ فيكون المراد بنزوله هو: نزول حامله به، سواء أردنا بالنزول: نزوله إلى سماء الدنيا، أو على النبى صلى الله عليه وسلم ويكون المجاز حينئذ بالحذف؛ وهو ما يتبادر إلى الأذهان عند إطلاق لفظ ((النزول)).

أما تنزلات القرآن الكريم، فقد ذكرنا أن له ثلاثة تنزلات، سنشير إليها فيما يلى:

التنزل الأول:

ونعنى به: نزول القرآن إلى اللوح المحفوظ؛ والدليل على ذلك هو قول الله­ سبحانه وتعالى­: {بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ} [البروج: 21] ونزول القرآن الكريم إلى اللوح المحفوظ لا علم لنا بالزمان الذى كان فيه، ولا بالكيفية التى نزل بها، غير أن الظاهر المتبادر إلى الأذهان من لفظ النزول هاهنا هو نزول القرآن الكريم إلى اللوح المحفوظ جملةً واحدةً.

والحكمة فى هذا التنزل راجعة إلى الحكمة الإلهية من وجود اللوح المحفوظ نفسه؛ حيث جعله الله ­ عز وجل ­ سجلًّا لما كان وما يكون من قضاء الله وقدره، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

التنزل الثانى:

ويقصد به: نزول القرآن الكريم من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، والأدلة على ذلك كثيرة, منها:

صحفة 2

قوله ­ عز وجل ­: {حَم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ} [الدخان: 3].

وقوله: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: 1].

وقوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ} [البقرة:185].

والمراد من هذه الآيات: هو نزول القرآن الكريم فى ليلة واحدة، هى ليلة القدر، التـى وصفها الله ­ عز وجل ­ بأنها مباركة، وأنها كانت فى شهر رمضان.

وقد تباينت أقوال العلماء فى كيفية هذا التنزل ومدته إلى أربعة أقوال، إليك بيانها:

القول الأول: وهو رأى جمهور العلماء؛ حيث ذهبوا إلى أنه: نزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا جملة واحدة، وأن ذلك كان فى ليلة القدر من شهر رمضان، ثم نزل بعد ذلك مُنَجَّمًا على سيدنا محمد ­ عليه الصلاة والسلام ­ فى عشرين سنة، أو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين سنة، على خلاف فى تلك المدة التى أقامها رسول الله ­ عليه الصلاة والسلام ­ فى مكة، بعد أن نُبِّئَ وقبل أن يهاجر.

وتحقيق ذلك: أنه صلى الله عليه وسلم نبئ بالرؤيا الصالحة على رأس الأربعين فى شهر ربيع الأول، ثم نزل عليه الوحى بصدر سورة ((العلق)) فى رمضان من نفس العام الذى نُبِّئ فيه، وظل فى مكة ­ بعد أن أوحى إليه ­ ثلاث عشرة سنة، ثم مكث فى المدينة عشر سنين؛ حيث لحق بالرفيق الأعلى عن ثلاث وستين سنة.

فتكون مدة نبوته صلى الله عليه وسلم ثلاثا وعشرين ، تنقص منها ستة أشهر ­ هى مدة الرؤيا الصالحة، التى لم ينزل عليه قرآن خلالها ­ وتزيد الأيام التى قضاها بعد نزول آخر آية،

صحفة 3

وهى تسع على الأصح؛ فتكون مدة نزول القرآن: اثنتين وعشرين سنة، وستة أشهر تقريبًا.

والدليل على تلك المدة التى مكثها النبى ­عليه الصلاة والسلام­ فى ((مكة)) بعد أن نبئ وقبل أن يهاجر، وأنها ثلاث عشرة سنة­: ما أخرجه الإمام البخارى: عن عبد الله بن عباس ­رضى الله عنهما­ قال: ((أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين، فمكث ثلاث عشرة سنة، ثم أمر بالهجرة فهاجر إلى المدينة، فمكث بها عشر سنين، ثم توفى صلى الله عليه وسلم))(1).

وقد توافرت الأدلة على نزول القرآن الكريم من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا جملة واحدة، منها:

1- ما أخرجه الحاكم، والبيهقى، وغيرهما: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ((أنزل القرآن فى ليلة القدر جملة واحدة إلى سماء الدنيا، وكان بمواقع النجوم، وكان الله ينزله على رسوله صلى الله عليه وسلم بعضه فى أثر بعض))(2).

2- أخرج الحاكم وابن أبى شيبة: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ((فصل القرآن من الذكر، فوضع فى بيت العزة من السماء الدنيا، فجعل جبريل ينزل على النبى صلى الله عليه وسلم))(3).

3- وأخرج الطبرانى: عن ابن عباس، قال: ((أنزل القرآن فى ليلة القدر فى شهر رمضان إلى


(1) أخرجه البخاري (7/632) كتاب مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي صلى الله عليه وسلم حديث (3902)، وأحمد (1/228)، والترمذي (5/591) كتاب المناقب: باب في مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، حديث (2621)، والطبري في تاريخه (2/292).

(2) أخرجه الحاكم (2/222)، والبيهقى فى (شعب الإيمان) (3/320) رقم (3659) عن ابن عباس موقوفاً. وقال الحاكم: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه, ووافقه الذهبى.

(3) أخرجه الحاكم (2/223) ، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه, ووافقه الذهبي.

صحفة 4

سماء الدنيا جملة واحدة، ثم أنزل نجوما))(1).

4- ما أخرجه ابن مردويه، والبيهقى: عن ابن عباس، أنه سأله عطية بن الأسود، فقال: أوقع فى قلبى الشك قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ} [البقرة: 185]. وقوله :{ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: 1]. وهذا أنزل فى شوال، وفى ذى القعدة، وذى الحجة، والمحرم، وصفر، وشهر ربيع! فقال ابن عباس: ((إنه أنزل فى رمضان فى ليلة القدر جملة واحدة، ثم أنزل على مواقع النجوم رسلاً فى الشهور والأيام)). قال أبو شامة: قوله: رسلا أى: وفقاً، ((وعلى مواقع النجوم)) أى: على مثل مساقطها، يريد: أنه أنزل فى رمضان فى ليلة القدر جملة واحدة، ثم أنزل على مواقع النجوم مفرقاً، يتلو بعضه بعضاً، على تؤدة ورفق.

فهذه الأخبار التى ذكرناها تدل على نزول القرآن الكريم جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم نزوله بعد ذلك منجماً على رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وهذه الأخبار وإن كانت موقوفة على ابن عباس- رضى الله عنه - إلا أنها فى حكم المرفوع، فمن المعلوم عند علماء الحديث: أن قول الصحابى فى الذى لا مجال للرأى فيه، ولم يعرف هذا الصحابى بالأخذ عن الإسرائيليات يكون قوله فى حكم المرفوع إلى النبى عليه الصلاة والسلام.

ومن المعلوم: أن ابن عباس لم يعرف عنه أخذ عن الإسرائيليات، أضف إلى ذلك أن السيوطى صحح هذه الأخبار.

وهذا القول هو المشهور عند العلماء، وهو الصحيح الذى تعضده المرويات والأخبار،


(1) أخرجه الطبرانى فى (الكبير) (11/312) رقم (11839)، وقال الهيثمى فى (المجمع) (7/143): وفيه عمران القطان، وثقه ابن حبان وغيره، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات.

صحفة 5

قال ابن حجر عنه: هو الصحيح المعتمد، وحكى القرطبى الإجماع عليه.

القول الثانى: وإليه ذهب مقاتل بن حيان، والحليمى، والماوردى, وخلاصته: أن القرآن الكريم نزل فى عشرين أو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين ليلة قدر، وكان ينزل فى كل ليلة منها ما قدر الله عز وجل نزولاً منجماً على سيدنا محمد - عليه الصلاة والسلام - مدة عام كامل، بحسب ما يحتاج الناس إليه.

القول الثالث: وإليه ذهب الشعبى، وخلاصته: أنه ابتدئ بإنزال القرآن الكريم في ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك منجماً على سيدنا محمد - عليه الصلاة والسلام - فى أوقات مختلفة من سائر الأوقات.

القول الرابع: وهذا القول حكاه الماوردى، وهو: أن القرآن الكريم نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم نجمته الحفظة على جبريل - عليه السلام- فى عشرين ليلة قدر، وأن جبريل - عليه السلام - نجمه على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فى عشرين سنة.

قال أبو شامة: وكأن صاحب هذا القول أراد الجمع بين القولين الأول والثانى(1).

وبعد، فإن هذه الأقوال الأربعة، وإن كانت تختلف فى البداية - من حيث نزوله جملة واحـدة - إلا أنها تجمع فى النهاية على أن القرآن الكريم نزل منجماً على النبى صلى الله عليه وسلم، حسب ماكانت تقتضيه الوقائع وتدعو إليه التشريعات.


(1) ينظر: الإتقان (1/54).

صحفة 6

التنزل الثالث:

والمراد به: هو نزول جبريل - عليه السلام - بالقرآن من السماء الدنيا على قلب سيدنا محمد - عليه الصلاة والسلام - طول مدة رسالته.

والأدلة على ذلك كثيرة جدًّا، منها:

قوله - عز وجل - : {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194)} [الشعراء: 193-194].

وقوله : {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} [النجم:4، 5].

الكلام على كيفية تلقى جبريل ­ عليه السلام ­ القرآن الكريم

اختلفت أقوال العلماء فى كيفية تلقى سيدنا جبريل ­عليه السلام­ للقرآن الكريم على النحو الآتى بيانه.

القول الأول: ذهب إليه الطيبى، والقطب الرازى، وهو: احتمال تلقف جبريل ­عليه السلام­ للقرآن تَلَقُّفًا روحيًّا عن الله - عز وجل- أو حفظه من اللوح المحفوظ، ثم إلقائه على قلب سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.

قال الطيبى: لعل نزول القرآن على الرسول - عليه الصلاة والسلام - أن يتلقفه الملك تَلَقُّفًا روحيًّا، أو يحفظه من اللوح المحفوظ، فينزل به إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فيلقيه عليه(1).

القول الثانى: وقد حكاه الماوردى، وهو: أن الحفظة نجمته على سيدنا جبريل ­ عليه الصلاة والسلام­ فى عشرين ليلة قدر، وأن سيدنا جبريل نجمه على سيدنا محمد ­ عليه الصلاة والسلام ­ فى عشرين سنة.

القول الثالث: وذهب إليه البيهقى، وهو: أن جبريل عليه السلام قد سمعه من الله -


(1) روح المعانى (19/123).

صحفة 7

عز وجل- فيقول فى معنى قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}[القدر:1] يريد ­ والله أعلم­: إنا أسمعنا الملك وأفهمناه إياه، وأنزلناه بما سمع(1).

ومن المعلوم: أن كيفية تلقى سيدنا جبريل للقرآن الكريم من الأمور السمعية التى لا تعرف بالاجتهاد أو بالظن؛ وإنما المرجع فيها يكون للأدلة النقلية فحسب.

وقد أخرج الطبرانى ما يؤيد قول البيهقى, فى كيفية تلقى جبريل للقرآن, وذلك: من حديث النواس بن سمعان، يرفعه إلى النبى صلى الله عليه وسلم : ((إِذَا تَكَلَّمَ اللهُ بِالوَحْىِ، أَخَذَتِ السَّمَاءَ رَجْفَةٌ شَدِيدَةٌ؛ مِنْ خَوْفِ اللهِ، فَإِذَا سَمِعَ بِذَلِكَ أَهْلُ السَّمَاءِ، صُعِقُوا وَخَرُّوا سُجَّدًا، فَيَكُونُ أَوَّلُهُمْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ جِبْرِيل، فَيُكَلِّمُهُ اللهُ بِوَحْيِهِ بِمَا أَرَادَ، فَيَنْتَهِى بِهِ عَلَى المَلَائِكَةِ، فَكُلَّمَا مَرَّ بِسَمَاءٍ، سَأَلَهُ أَهْلُهَا: مَاذَا قَالَ رَبُّنَا؟ قَالَ: الْحَقَّ، فَيَنْتَهِى بِهِ حَيْثُ أَمَرَ)).

فسيدنا جبريل ­عليه السلام­ كان يؤدى القرآن على هيئته التى هو عليها، دون أن يتدخل بكثير أو بقليل، وأن القرآن ­ الذى نزل به ­ هو القرآن المعجز، بترتيبه الذى رتبه الله ­عز وجل­ عليه، وبألفاظه التى أظهره الله بها، وأن النبى ­ عليه الصلاة والسلام ­ قد تلقاه منه، وبلغه كما سمعه، دون أن يكون لجبريل ولا للنبى ­ عليه الصلاة والسلام ­ دخل فى إنشائه أو ترتيبه؛ وإنما ذلك لله عزوجل.

الحكمة فى نزول القرآن الكريم منجمًا:

ذهب العلماء إلى أن فى نزول القرآن الكريم منجمًا حكمًا عظيمة وأسرارًا كثيرة، نسوق منها ما يلى:


(1) ينظر: الإتقان (1/58).

صحفة 8

أولاً: تثبيت قلب سيدنا محمد ­عليه الصلاة والسلام­ وإشعاره بأن الله معه ومؤيده وناصره؛ يقول الله عز وجل­:{ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا } [الفرقان: 32].

فمرةً يقص الله ­عز وجل­ عليه من أنباء الرسل ما يقوى به عزمه: { وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ }[هود:120].

ومرةً يبشره بالنصر على الكفار: { سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 45]. ومرة يخبره بنهاية الكفار والمكذبين: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا} [العنكبوت: 40].

إلى غير ذلك من الآيات التى تتابعت؛ لتثبيت قلب النبى ­عليه الصلاة والسلام­ وتقوية عزمه، ومضاعفة صبره.

ثانياً: التدرج فى تشريع الأحكام، بما يتلاءم مع التدرج فى انتزاع ما كان عليه العرب من العقائد، والعبادات الباطلة، والعادات المذمومة، فكانت حكمة الله ­عز وجل­ معالجة تلك الأوضاع بالتدرج شيئًا فشيئًا؛ إذ لو خوطبوا بأحكام الله جملة واحدة، لما استجابوا ولما استطاعوا، ويشهد لذلك:

ما أخرجه البخارى، بسنده عن أم المؤمنين عائشة ­ رضى الله عنها ­ قالت: ((إنما نزل أول ما نزل منه، سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام، نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شىء: لا تشربوا الخمر ، لقالوا : لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدا. لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم, وإنى لجارية

صحفة 9

ألعب: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ } [القمر : 46]، وما نزلت سورة ((البقرة)) و((النساء)) إلا وأنا عنده...)) الحديث(1).

وأخرج الإمام أحمد، بسنده عن عمر ­ رضى الله عنه ­ أنه قال: ((لما نزل تحريم الخمر، قال: اللهم بين لنا فى الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت هذه الآية التى فى سورة البقرة: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة:219] فدعـى عمر ­ رضى الله عنه ­ فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا فى الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت الآية التى فى سورة النساء: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ } [النساء : 43] فكان منادى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقام الصلاة نادى ألا يقربن الصلاة سكران، فدعى عمر ­ رضى الله عنه ­ فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا فى الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت الآية التى فى ((المائدة)), فدعى عمر ­ رضى الله عنه ­ فقرئت عليه، فلما بلغ: { فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ }[المائدة:91]، قال: قال عمر: انتهينا، انتهينا))(2).

وأخرج البخارى، ومسلم: عن أنس قال: ((كنت ساقى القوم يوم حرمت الخمر فى بيت أبى طلحة، وما شرابهم إلا الفضيخ: البسر والتمر، فإذا مناد ينادى، فقال: اخرج فانظر، فخرجت فإذا مناد ينادى: ألا إن الخمر قد حرمت, قال: فجرت فى سكك المدينة، فقال لى أبو طلحة: اخرج فأهرقها(3).


(1) أخرجه البخارى (10/46-47) كتاب فضائل القرآن، باب: تأليف القرآن، حديث (4993).

(2) أخرجه أحمد(1/53)، وأبو داود (3/325) كتاب الأشربة، باب: فى تحريم الخمر، حديث (3670)، والترمذى (5-253/254) كتاب التفسير، باب: ومن سورة المائدة، حديث (3049)، والنسائى (8/286) من حديث عمر. وقال الترمذى: وقد روى هذا الحديث مرسلاً, وهذا أصح.

(3) أخرجه مالك فى (الموطأ) (2-846/847) كتاب الأشربة، باب: جامع تحريم الخمر، حديث (13) عن إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة عن أنس بن مالك به. ومن طريق مالك أخرجه البخارى (10/40) كتاب الأشربة، باب: نزل تحريم الخمر وهى من البسر والتمر حديث (5582)، ومسلم (3/1572) كتاب الأشربة، باب: تحريم الخمر، حديث (9/1980).

صحفة 10

ثالثاً: متابعة ما كان يحدث للأمة من قضايا ومسائل، وبيان ما كانت تحتاج إليه من أمورها المختلفة.

ومن البدهِىِّ: أن تلك القضايا أو المسائل، لم تحدث للناس دفعة واحدة؛ لذا فقد اقتضت حكمة الله ­عز وجل­ أن يتنزل القرآن الكريم منجمًا؛ تبعًا لهذه القضايا والمسائل؛ ومن هذه الأمثلة:

ما أخرجه ابن أبى حاتم بسنده، عن سعيد بن جبير، عن عدى بن حاتم، وزيد بن المهلهل الطائيين، سألا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا:

يا رسول الله، قد حرم الله الميتة، فماذا يحل لنا منها؟ فنزلت: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}(1) [المائدة:4].

أخرج الواحدى بسنده، عن عمر بن الخطاب، قال: لما كان يوم بدر، والتقوا، فهزم المشركون، وقتل منهم سبعون رجلا، وأسر سبعون رجلا استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر وعليًا، فقال أبو بكر: يا رسول الله، هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإنى أرى أن تأخذ منهم الفدية؛ فيكون ما أخذنا منهم قوةً لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله؛ فيكونوا لنا عضدًا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ترى يابن الخطاب؟ قال: قلت: والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أن تمكننى من فلان - قريب لعمر - فأضرب عنقه، وتمكن عليًا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حـمزة من فلان - أخيه - فيضرب عنقه، حتى يعلم الله ­ عز وجل ­ أنه ليس فى قلوبنا مودة للمشركين، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم، فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر, ولم يهو ما قلت، وأخذ منهم الفداء،


(1) أخرجه الواحدى فى أسباب النزول ص (194) رقم (284) عن سعيد بن جبير، وذكره السيوطى فى الدر المنثور (2/260) وعزاه لابن أبى حاتم.

صحفة 11

فلما كان من الغد قال عمر: غدوت إلى النبى صلى الله عليه وسلم, فإذا هو قاعد وأبو بكر الصديق، وإذا هما يبكيان، فقلت: يا رسول الله، أخبرنى ماذا يبكيك أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاءً بكيت، وإن لم أجد بكاءً تباكيت، فقال النبى صلى الله عليه وسلم : ((أَبْكِى لِلَّذى عَرَضَ عَلَىَّ أَصْحَابُكَ مِنَ الِفَداءِ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَىَّ عَذَابُكُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ ­ لشَجَرةٍ قَرِيبَةٍ ­ فأنزل الله ­ عز وجل­: { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }[الأنفال: 68] إلى قوله: { لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ }))(1).

رابعًا: معرفة الناسخ من المنسوخ؛ حيث وردت آيات تحمل أحكامًا فى أمور تشريعية، مغايرة لآيات أخرى تحمل خلاف تلك الأحكام، ولو نزل القرآن جملة واحدة، لوقع الناس فى حيرة؛ حيث يقع الاضطراب: بأى الحكمين يأخذون, وأيهما يقدمون؟ أما بنزول القرآن الكريم منجمًا فإننا نستطيع أن نبين الناسخ من المنسوخ؛ حيث يكون الثانى ناسخًا للأول. ومن ذلك: ما جاء فى قوله تعالى من سورة ((البقرة))­: { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ } [البقرة: 284].

وقوله تعالى فيها ­ أيضًا­: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]. فعندما نزلت الآية الأولى، شق ذلك على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقالوا: إنه يجول الأمر فى نفوسنا، لو سقطنا من السماء إلى الأرض، لكان ذلك أهون علينا! واعتذروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم لا يطيقون، فقال صلى الله عليه وسلم: ((لا تقولوا كما قالت اليهود: سمعنا وعصينا, ولكن قولوا: سمعنا وأطعنا)) فلما علم - جل شأنه - تسليمهم لأمره, ونزولهم على حكمه, أنزل آخر الآيتين ناسخة للأولى منهما.


(1) أخرجه الواحدى فى (أسباب النزول) ص (242) رقم (485) .

صحفة 12

خامسا: تجديد الدعوة للكفار؛ ليدخلوا فى دين الله - عز وجل - فى كل مرة من مرات نزول القرآن الكريم, وفى ذلك حرص على هدايتهم, ورغبة فى إسلامهم.

أما لو نزل القرآن دفعة واحدة, لظنوا تقادم العهد به, واختلقوا الأعذار للانصراف عنه.

سادسا: الرد على شبه الكفار ومفترياتهم التى كانت تتجدد بين الحين والآخر, ودفع ما كانوا يلقونه من أباطيل فى مسار الدعوة, كل هذه الأشياء تكفل القرآن بالرد عليها, وتتبعها بالتفنيد والإدحاض, ومن ذلك: ما جاء فى قوله تعالى: من سورة ((الأنعام)): {وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِى الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ} [الأنعام: 8], وقوله فى سورة الفرقان: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِى الْأَسْوَاقِ} [الفرقان:20], وقوله فى سورة ((الرعد)): {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً} [الرعد: 38].

وقوله - حكاية عنهم-: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم} [الزخرف: 31], ثم رده عليهم بقوله - جل شأنه-: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ} [الزخرف: 32].

وجماع هذه الحكمة يكمن فى قوله تعالى: {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان: 33].

سابعا: تيسير حفظ القرآن الكريم وفهمه على أمته صلى الله عليه وسلم التى هى مخاطبة به, وهى أمة أمية لا تعرف القراءة ولا الكتابة, كانت أداة حفظهم هى الاعتماد على قوة الذاكرة، وصفاء الذهن؛ فناسب ذلك نزول القرآن منجمًا؛ يقول الله ­ عز وجل ­: { وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا } [الإسراء:106]. ومن ناحية أخرى، فإن فى نزوله منجمًا تيسيرًا على الصحابة؛ لدراسته وتعلمه وفهمه؛ روى أبو عبد الرحمن السلمى، عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا إذا تعلموا من النبى صلى الله عليه وسلم عشر آيات، لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل.

ثامنا: فى نزول القرآن الكريم منجمًا ما يجعل سيدنا محمدًا ­ عليه الصلاة والسلام ­ راضى النفس، مسرور القلب، منشرح الصدر؛ حيث إنه صلى الله عليه وسلم كان يحب لقاء جبريل ومدارسة القرآن معه، ومن كثرة حبه له أنه صلى الله عليه وسلم سأله أن ينزل عليه أكثر مما كان ينزل، فقدم سيدنا جبريل ­عليه السلام­ عذره بأنه لا يستطيع النزول إلا بأمر الله ­ عز وجل­: { وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ} [مريم: 64].

فقد روى البخارى، بسنده: عن ابن عباس، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لجبريل: ((مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَزُورَنَا أَكْثَرَ ممَّا تَزَورُنَا؟))؛ فنزلت: { وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ} [مريم:64].

صحفة 13