مكتب الشيخان للدراسات الإسلامية و العربية: الصفحة الرئيسية من نحن مع من يتعامل المكتب؟ أخبر صديقاً اتصل بنا


هذه الصفحة خاصة بعرض نماذج من أعمال المكتب المختلفة من التحقيق و التأليف فى العلوم الإسلامية و العربية
مركز الشيخان للدراسات الإسلامية و العربية

بسم الله الرحمن الرحيم

بيان التبديل(النسخ)

وبيان التبديل وهو: إظهار المراد من لازم معنى الكلام، كالمدة بالمنطوق(1)، وهو النسخ(2) وهو أن يرد دليل شرعى متراخيًا عن دليل شرعى مقتضيًا خلاف حكمه(3).


(1) المنطوق فى اللغة: هو الملفوظ به، اسم مفعول من النطق بمعنى التلفظ والتكلم, يقال: نَطَقَ يَنْطِقُ نُطْقًا، ومنطقا ونطوقًا: تكلم بصوت وحروف تعرف بها المعانى. وفى الاصطلاح: قال ابن الحاجب وغيره: ((هو ما دل عليه اللفظ فى محل النطق)). يعنى أن المنطوق فى اصطلاح الأصوليين عبارة عن دلالة اللفظ على معنى، حالة كون ذلك المعنى ثابتًا فى محل النطق؛ بأن يكون ذلك المعنى حكمًا للمذكور فى الكلام، وحالاً من أحواله؛ سواء ذكر ذلك الحكم، ونطق به، بأن دل عليه اللفظ مطابقة أو تضمنًا - وهو ما يسمى بالمنطوق الصريح - أولم يذكر بأن دَلَّ عليه التزامًا، وهو ما يسمى بالمنطوق غير الصريح. وبهذا يعرف أن المنطوق تارة يكون صريحًا، وتارة يكون غير صريح. ينظر: البحر المحيط (4/7)، المنطوق والمفهوم للدكتور الخضراوى ص (9).

(2) يطلق فى اللغة على الإبطال والإزالة، ومنه: نسخت الشمس الظل، والريح آثار القدم، ومنه تناسخ القرون، وعليه اقتصر العسكرى، ويطلق ­ أيضًا ­ ويراد به النقل والتحويل، ومنه: نسخت الكتاب، أى: نقلته، ومنه قوله تعالى: { إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [الجاثية:29]، ومنه تناسخ المواريث. ينظر: الصحاح (1/433)، ترتيب القاموس (4/362). وقد تباينت آراء علماء الأصول هل هو حقيقة فى المعنيين، أم فى أحدهما دون الآخر؟ فحكى الصفى الهندى عن الأكثرين: أنه حقيقة فى الإزالة، مجاز فى النقل. وقال القفال الشافعى: إنه حقيقة فى النقل. وقال القاضى أبو بكر الباقلانى والقاضى عبد الوهاب، والغزالى: إنه حقيقة فيهما، مشترك بينهما لفظًا؛ لاستعماله فيهما. وقال ابن المنير فى «شرح البرهان»: إنه مشترك بينهما اشتراكًا معنويًّا؛ لأن بين نسخ الشمس الظل ونسخ الكتاب مقدارًا مشتركًا، وهو الرفع، وهو فى الظل بيِّن؛ لأنه زال بضده، وفى نسخ الكتاب متعذر؛ من حيث إن الكلام المنسوخ بالكتابة لم يكن مستفادًا إلا من الأصل، فكان للأصل بالإفادة خصوصية، فإذا نسخت الأصل ارتفعت تلك الخصوصية، وارتفاع الأصل والخصوصية سواء فى مسمى الرفع. وقيل: القدر المشترك بينهما هو التغيير، وقد صرح به الجوهرى. ينظر: إرشاد الفحول (3/614) وينظر المصادر الآتية فى الهامش التالى.

(3) هذا التعريف لصدر الشريعة. ينظر: شرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازانى (2/34)، شرح المنار لابن مالك ص(91)، الموافقات للشاطبى(3/102)، تقريب الوصول لابن جزى ص(125)، شرح مختصر المنار للكورانى ص(91)، نشر البنود للشنقيطى (2/280)، شرح الكوكب المنير للفتوحى ص(462)،تهذيب اللغة (7/181)، لسان العرب (6/4407)، تاج العروس (2/282)، معيار العقول فى علم الأصول لابن المرتضى (1/172).

صحفة 1
 

والنسخ بيان محض لمدة الحكم بالقياس(1) إلى الشارع، ورفع،وإبطال، وتبديل بالنسبة إلى علمنا, كالقتل؛ فإنه بيان للأجل فى حقه تعالى، وفى حقنا تبديل(2)، وهو جائز عند جميع المسلمين فى أحكام الشرع المحتمل فى نفسه للوجود والعدم، بألا يلحق بها ما ينافى النسخ من توقيت أو تأبيد ثبت نصا, كقوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا } [النساء:57]،


(1) القياس لغة: هو التقدير والمساواة، وفى الاصطلاح: إثبات مثل حكم معلوم فى معلوم آخر؛ لاشتراكهما فى علة الحكم عند المثبت. وقد تنوعت آراء الأصوليين القائلين بالقياس فى مسمى اسم ((القياس))، فذهب بعض الأصوليين إلى أنه: فعل المجتهد، وذهب آخرون إلى أنه: حجة إلهية وضعها الشارع لمعرفة حكمه؛ فهو أمر موجود فى ذاته، وليس فعلًا لأحد؛ ولذلك يقال: القياس مظهر لا مثبت. وبرهن كل صاحب رأى على ما ذهب إليه. ينظر: البرهان لإمام الحرمين (2/743)، البحر المحيط للزركشى (5/5)، الإحكام فى أصول الأحكام للآمدى (3/167)، سلاسل الذهب للزركشى ص(364)، التمهيد للإسنوى ص(463)، نهاية السول له (4/2)، زوائد الأصول له ص(374)، منهاج العقول للبدخشى (3/3)، غاية الوصول للشيخ زكريا الأنصارى ص(211)، التحصيل من المحصول للأرموى (2/155)، المنخول للغزالى ص(323)، المستصفى له (2/228).

(2) وهنا نشير إلى مسألة يتعرض لها علماء الكلام، وهى المقتول ميت بأجله: فمن المعلوم أن المقتول ميت بأجله الذى قدره الله تعالى فى الوقت المعين، وعلم أنه يموت فيه، ولو لم يقتل فى ذلك الوقت لجاز أن يموت فيه، وألا يموت بالنسبة إلينا؛ لأنه لا قطع لنا بامتداد العمر ولا بالموت بدل القتل، لعدم وصول علمنا إلى حال المقتول، وإلى ما تكون عاقبته على تقدير عدم القتل؛ فلا علم لنا بالموت ولا بالحياة، وأما بالنسبة إلى علمه تعالى فموته محقق فى هذا الوقت؛ لأن الأصح أنه تعالى قدره، وعلم أن المقتول قد قتل فى هذا الوقت ألبتة، فلو لم يقتل لمات فى هذا الوقت قطعًا، فلا يجوز التقدم ولا التأخر عن وقته؛ لأن الأجل لا يختلف بالموت والقتل، فيلزم القطع بالموت لولا القتل، وإلا يلزم التبدل فى الحكم وانقلاب علمه تعالى جهلًا، وهو محال على الله، ولو بنى المسألة على الأجل المبرم والمعلق بمعنى أنه تعالى قد عمَّر المقتول أربعين سنة على تقدير القتل وستين سنة على عدم القتل، فلا تبدُّل فى الأجل، وفى علمه تعالى؛ لأن الله يعلم كون عبده مقتولًا فيما لا يزال قطعًا، فقدر عمره أربعين سنة مثلًا، فلا يقدم ولا يؤخر؛ لقوله تعالى: { فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ } [الأعراف:34]. والنصوص محمولة على ظواهرها، فلا حاجة إلى التأويل بلا سبب موجب؛ لأن التأويل خلاف الأصل. وزعم المعتزلة أن المقتول ميت قبل أجله؛ لأن القاتل قطع أجله، حتى لو لم يقتل لامتد عمره إلى الأجل الذى قدره الله تعالى، واستدلوا بظواهر الأحاديث التى دلت على كون بعض الطاعة سببًا لزيادة العمر كالصدقة والصلة، بأنه لو كان المقتول ميتًا بأجله لما استحق القاتل فى الدنيا ذمًّا وفى الآخرة عقابًا. وأجيب عن الأول: بأن الله يعلم أنه لو لم يفعل هذه الطاعة لكان عمره أربعين سنة مثلا، لكنه علم أنه يفعلها ويكون عمره ستين سنة، فنسبة هذه الزيادة إلى تلك الطاعة؛ لكونها سببًا عاديًّا فى علمه تعالى، وبأن المراد بزيادة العمر بسبب الطاعة أن فضيلة العمر القليل بالطاعة كفضيلة العمر الكثير بدون تلك الطاعة. والجواب عن الثانى: أن وجوب القصاص فى الدنيا والعقاب فى الآخرة على القاتل أمر تعبدى؛ لارتكاب المنهى عنه، وأن القاتل كسب القتل باختياره الجزئى؛ فإن القتل وإن كان فعل الله خلقًا، لكنه فعل العبد كسبًا، فيكون مذمومًا فى الدنيا ومعاقبًا فى الآخرة؛ لكونه كاسبًا إرادته. ينظر: العقائد النسفية ص(64)، نشر الطوالع ص(290, 291)، العقائد الخيرية ص (52، 53).

صحفة 2

أو دلالةً: كسائر الشرائع التى قُبِضَ عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم (1). ولا منافاة بين الحسن والقبح فى وقتين. وقد نقل إنكار أبى مسلم الأصفهانى(2) النسخ(3)، وإنكار النسخ مع عقد الإسلام لا يتصور؛ لنسخ شرعنا سائرَ الشرائع، ولاستحلال الأخوات فى شريعة آدم، واسترقاق(4) الحُرِّ فى عهد يوسف عليه الصلاة والسلام. وأنكر اليهود النسخ، فقال بعضهم: باطل نقلًا(5). وبعضهم: 


(1) من شرائط النسخ أن يكون مما يجوز نسخه، فلا يدخل النسخ أصل التوحيد؛ لأن الله ­ سبحانه ­ بأسمائه وصفاته لم يزل ولا يزال، ومثل ذلك ما علم بالنص أنه يتأبد ولا يتأقت. قال سليم الرازى: وكل ما لا يكون إلا على صفة واحدة: كمعرفة الله، ووحدانيته ونحوه، فلا يدخله النسخ، ومن هاهنا يعلم أنه لا نسخ فى الأخبار؛ إذ لا يتصور وقوعها على خلاف ما أخبر به الصادق، وكذا قال إلكيا الطبرى، وقال: الضابط فيما ينسخ ما يتغير حاله من حسن إلى قبح. قال الزركشى: واعلم أن فى جواز نسخ الحكم المعلق بالتأبيد وجهين، حكاهما الماوردى، والرويانى، وغيرهما: أحدهما: المنع؛ لأن صريح التأبيد مانع من احتمال النسخ. والثانى: الجواز. قالا: وأنسبهما الجواز، قال: ونسبه ابن برهان إلى معظم العلماء، ونسبه أبو الحسين فى ((المعتمد)) إلى المحققين، وقال: لأن العادة فى لفظ التأبيد المستعمل فى لفظ الأمر المبالغة لا الدوام. ينظر: إرشاد الفحول (3/621).

(2) هو: محمد بن بحر الأصفهانى، من أهل أصفهان، معتزلى من كبار الكتاب، كان عالمًا بالتفسير، وبغيره من صنوف العلم، وله شعر، ولى أصفهان وبلاد فارس للمقتدر العباسى، من كتبه: ((جامع التأويل)) فى التفسير، و((الناسخ والمنسوخ)) وغيرهما، ولد سنة 254هـ، وتوفى سنة 322هـ. ينظر: إرشاد الأريب (6/420)، الأعلام (6/50).

(3) قال الشوكانى: النسخ جائز عقلًا واقع سمعًا، بلا خلاف فى ذلك بين المسلمين، إلا ما يروى عن أبى مسلم الأصفهانى، فإنه قال: إنه جائز، غير واقع، وإذا صح هذا عنه فهو دليل على أنه جاهل بهذه الشريعة المحمدية جهلًا فظيعًا، وأعجب من جهله بها حكاية من حكى عنه الخلاف فى كتب الشريعة؛ فإنه إنما يعتد بخلاف المجتهدين، لا بخلاف من بلغ فى الجهل إلى هذه الغاية. ينظر إرشاد الفحول (3/617).

(4) الاسترقاق، لغة: الإدخال فى الرق، والرق: كون الآدمى مملوكا مستعبدا. ينظر: لسان العرب, وتاج العروس مادة [رقق].

(5) عد الإمام الشوكانى فى ((إرشاد الفحول)) حكاية نقل إنكار النسخ عن اليهود من غرائب علماء الأصول، فقال: وأما الجواز: فلم يحك الخلاف فيه إلا عن اليهود، وليس بنا إلى نصب الخلاف بيننا وبينهم حاجة، ولا هذه بأول مسألة خالفوا فيها أحكام الإسلام حتى يذكر خلافهم فى هذه المسألة، ولكن هذا من غرائب أهل الأصول. على أنا قد رأينا فى التوراة فى غير موضع أن الله ­ سبحانه ­ رفع عنهم أحكاما لما تضرعوا إليه وسألوا منه رفعها، وليس النسخ إلا هذا؛ ولهذا لم يحكه من له معرفة بالشريعة الموسوية إلا عن طائفة من اليهود وهم الشمعونية، ولم يذكروا لهم دليلًا إلا ما ذكره بعض أهل الأصول من أن النسخ بَدَاءٌ والبَدَاء ممتنع عليه، وهذا مدفوع بأن النسخ لا يستلزم البداء، لا عقلًا ولا شرعًا، وقد جوزت الرافضة البداء عليه - عز وجل - لجواز النسخ، وهذه مقالة توجب الكفر بمجردها. ينظر: إرشاد الفحول (3/618).

صحفة 3
 
 

عقلًا(1)؛ لإيجابه كون الشىء حَسَنًا وقَبيحًا.

وقد عرفت أنه لا تنافى بينهما فى وقتين. وشرط النسخ: التمكن من الاعتقاد اتفاقًا، ولا حاجة إلى التمكن من الفعل عندنا؛ فجاز النسخ قبل وقت الفعل؛ لثبوت التكليف قبله(2). فوجب جواز دفعه بالناسخ، كالموت الرافع لتعلق التكليف(3)، وإن لم يوجد وقت الفعل.


(1) ورد فى السفر الأول من التوراة أن الله تعالى قال لنوح عليه السلام عند الخروج من الفلك: ((جعلت كل دابة حية مأكلًا لك ولذريتك، وأطلقت ذلك لكم كنبات الُعشب، ما خلا الدم فلا تأكلوه»، ثم حُرِّم منها كثير على لسان موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، كما فى السفر الثالث من التوراة؛ فلزم القول بالنسخ: فإن قال الخصم فى هذين الدليلين: يحتمل أن أمر آدم والإباحة لنوح وذريته كانا مطلقين بظهور شريعة من بعده. قلنا: الأمر لآدم والإباحة لنوح كانا مطلقين والأصل عدم التقييد. وإن قيل: إنه كان ذلك مقيدًا فى علم الله تعالى بظهور شريعة أخرى. قلنا: هذا هو النسخ بعينه؛ فإن الله تعالى إذا أمر بالفعل مطلقًا فهو عالم بأنه سينسخه ويعلم وقت نسخه؛ فتقييده فى علمه لا يخرجه عن حقيقة النسخ. وقد احتج عليهم بإلزامات أخرى، منها: تحريم الاصطياد وقـتل الحيوان - ولو بحق - يوم السبت فى شريعة موسى عليه السلام، بعد إباحته إباحة مطلقة عن الغاية فى شريعة إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. ومنها: تحريم جمع الأختين فى شريعة موسى عليه السلام وما بعدها من الشرائع، بعد الإباحة فى شريعة يعقوب عليه السلام، فإنه جمع بين الأختين. ومنها: وجوب الختان عندهم يوم الولادة، وقيل: فى الثامن فى شريعة موسى عليه السلام، بعد الإباحة فى شريعة إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. فإن قال الخصم ردًّا لهذه الإلزامات الثلاث: إن هذه الأمور لم يتعلق بها خطاب فى شريعة، بل هذه كانت مباحة قبل التحريم والوجوب، ورفع مباح الأصل ليس بنسخ. قلنا جوابًا عن هذا الرد: التحقيق أن هذه المباحات مباحات شرعية؛ بدليل أن الله جل شأنه لم يترك الإنسان منذ نشأته فى حين من الأحيان سدى، قال تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} [القيامة:36] ولم يمض وقت إلا وفيه شريعة نذير، وإذا كان فلا بد أن تكون هذه المباحات شرعية واردة فى شرائع هؤلاء النذر؛ لذلك ذهب الإمام فخر الإسلام إلى بطلان القول بالإباحة الأصلية مستدلا بالآية الكريمة السابقة. ووجه الاستدلال بها: أن الإنسان لم يترك فى حين من الأحيان سدى، بل هو مكلف بشريعة نبى من الأنبياء؛ فلا شك أن الأشياء منها ما كان على الوجوب، ومنها ما كان على التحريم، وهكذا، فالقول بالإباحة مطلقا باطل، إلا بمعنى عدم المؤاخذة؛ لاندراس الشرائع زمان الفترة، وجعل هذا الجهل عذرًا، وأيضًا تلك الإباحات لما تقررت فى تلك الشرائع، وعلمت الأمة بها من غير نكير من النذر لها - صارت بحكم التقرير أنها من أحكام تلك الشرائع؛ فيكون رفعها رفع حكم شرعى وهو النسخ، كيف وقد جمع يعقوب بين الأختين، وفعل النبى تشريع؟ وكذا الاصطياد والاختتان، فهذه الحجج ثابتة من غير أن يمسها أدنى شبهة من أُولِى التلبيس. ينظر: مباحث النسخ لإمام إبراهيم عيسى.

(2) القائلون بجواز النسخ اتفقوا فيما بينهم على جواز نسخ حكم الفعل بعد خروج وقته، واختلفوا فى نسخ حكم الفعل قبل التمكن، ومعنى التمكن: أن يمضى بعدما وصل الأمر إلى المكلف زمان يسع الفعل المأمور به، مثال ذلك: ما لو قال الشارع فى رمضان: حجوا فى هذه السنة، ثم قال قبل يوم عرفة: لا تحجوا, فقد ذهب إلى جواز ذلك الأشاعرة وكثير من أصحاب الشافعى وأكثر الفقهاء وعامة أصحاب الحديث، ومنع من ذلك جماهير المعتزلة وأبو بكر الصيرفى من أصحاب الشافعى وبعض أصحاب الإمام أحمد بن حنبل، والمختار: الجواز. ينظر: مباحث النسخ لإمام إبراهيم عيسى.

(3) التكليف اصطلاحًا: قيل: هو إلزام ما فيه كلفة، وقيل: هو طلب ما فيه كلفة.

والتعريف الثانى أشمل للأحكام التكليفية؛ إذ الأول يتناول نوعين فقط من الأحكام التكليفية الخمسة، وهما: الإيجاب والتحريم؛ فالإيجاب إلزام بالفعل، والتحريم: إلزام بالترك. وأما بقية الأحكام فلا تدخل؛ لعدم الإلزام. وأما الطلب، فيشمل جميع الأحكام التى فيها طلب للكلفة ما عدا الإباحة، فهو يشمل: الإيجاب، والتحريم، والندب، والكراهة... وأما الإباحة، فخارجة عن إطار هذا التعريف؛ إذ لا طلب فيها. ينظر: البحر المحيط (1/341).

صحفة 4


وعند المعتزلة(1) والصيرفى(2): لا يصح النسخ قبل الفعل؛ لأنه المقصود.


(1) المعتزلة: هم أصحاب واصل بن عطاء الغزالي الذي اعتزل عن مجلس الحسن البصرى، حين دخل على الحسن رجل، فقال: يا إمام الدين، ظهر في زماننا جماعة يكفرون صاحب الكبيرة، فكيف تحكم لنا؟ فتفكر الحسن، وقبل أن يجيب قال واصل: أنا لا أقول صاحب الكبيرة مؤمن ولا كافر، ثم قام إلى أسطوانة من أسطوانات المسجد، وأخذ يقرر على جماعة من أصحاب الحسن أن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر. فقال الحسن: اعتزل عنا واصل؛ فلذلك سمي أصحابه: معتزلة، ويلقبون بالقدرية؛ لإسنادهم أفعال العباد إلى قدرتهم وإنكارهم فيها أى خلق لله تعالى. والمعتزلة لقبوا أنفسهم: أصحاب العدل والتوحيد. أما تلقيبهم بالأول؛ فلقولهم بوجوب الأصلح وثواب المطيع، وأما بالثانى؛ فلقولهم بنفي الصفات القديمة. ينظر: حاشية أحمد ملا على شرح العقائد النسفية للعلامة التفتازانى (1/53).

(2) هو محمد بن عبد الله الصيرفى، أبو بكر: أحد المتكلمين الفقهاء من الشافعية، من أهل بغداد. قال أبو بكر القفال: كان أعلم الناس بالأصول بعد الشافعى، له كتب، منها: ((البيان فى دلائل الأعلام على أصول الأحكام فى أصول الفقه))، وكتاب: ((الفرائض)). توفى سنة 33هـ. ينظر: وفيات الأعيان (1/458)، والوافى بالوفيات (3/346)، وطبقات الشافعية (2/169)، ومفتاح السعادة (2/178).

صحفة 5