مكتب الشيخان للدراسات الإسلامية و العربية: الصفحة الرئيسية من نحن مع من يتعامل المكتب؟ أخبر صديقاً اتصل بنا


هذه الصفحة خاصة بعرض نماذج من أعمال المكتب المختلفة من التحقيق و التأليف فى العلوم الإسلامية و العربية
مركز الشيخان للدراسات الإسلامية و العربية

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

حجية الإجماع

انعقد إجماع أهل القبلة على أن الإجماع حجة، وعلى أنه يفيد العلم الجازم، ولا التفات إلى من خالف فى حجيته: كالنَظَّام والشيعة، وبعض الخوارج؛ لأنهم قليلون من أهل البدع والأهواء، قد حدثوا بعد الاتفاق، يشككون فى الضروريات الدينية، كالسوفسطائية حين ارتابوا فى الضروريات العقلية، وقد احتج أهل السنة على حجية الإجماع بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة والمعقول:

أولاً: الكتاب: استدل الإمام الشافعى ­رضى الله عنه­ على حجية الإجماع فى رسالته بقول الله تعالى: { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]، إذ ذكر العلامة السبكى أن الشافعى استدل بهذه الآية على حجية الإجماع، بعد أن تلا القرآن ثلاث مرات، وأنه لم يسبق إليه، وقد احتج أهل السنة بآيات أخرى، ولكن هذه الآية أشهرها وأقواها دلالة على المطلوب. ووجه الدلالة فيها - كما يستفاد من ((شرح العضد على المختصر)) - أن الله ­سبحانه وتعالى­ جمع بين مشاقة الرسول، واتباع غير سبيل المؤمنين فى الوعيد؛ فيلزم أن يكون اتباع غير سبيل المؤمنين حراما؛ إذ لا يضم مباح إلى حرام فى الوعيد: كالزنا وأكل الخبز مثلا، وإذا حرم اتباع غير سبيلهم وجب اتباع سبيلهم؛ إذ لا مخرج عنهما، والإجماع سبيلهم؛ فيجب اتباعه.

 قال السعد: قوله: ((إذ لا مخرج عنهما)) إشارة إلى أن حرمة اتباع غير سبيلهم وإن كانت أعم من وجوب اتباع سبيلهم بحسب المفهوم، لكن لا مخرج بحسب الوجود من اتباع غير سبيلهم واتباع سبيلهم؛ لأن ترك اتباع سبيلهم اتباع لسبيل غيرهم؛ إذ معنى السبيل هاهنا ما يختاره الإنسان لنفسه من قول أو فعل، وقد اعترض على هذا الدليل بوجوه كثيرة، وانفصلوا عنها، أصعبها ما نذكره: وهو أن هذه الآية ظاهرة لعدم قطعية لفظ ((سبيل المؤمنين)) فى خصوص المدعى، وهو ما أجمع عليه، واحتماله وجوها من التخصيص؛ لجواز أن يراد سبيلهم فى متابعة الرسول أو فى مناصرته، أو فى الاقتداء به، أو فيما به صاروا مؤمنين وهو الإيمان، وإذا قام الاحتمال كان غايتها الظهور، والتمسك بالظاهر إنما يثبت بالإجماع، ولولاه لوجب العمل بالدلائل المانعة من اتباع الظن، نحو قوله تعالى: { وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } [الإسراء:36] يكون إثباتًا للإجماع بما لا تثبت حجيته إلا به، فيصير دورًا، وأجاب شارح ((التحرير)) على طريقة أكثر  الحنفية بما حاصله: أنا لا نسلم أن الآية ليست قطعية، بل هى  قطعية، واحتمال التخصيص

صحفة 1
 
 

غير قادح؛ فإن حكم العام ثبوت الحكم فيما يتناوله قطعا، فيتم التمسك بها من غير احتياج إلى الإجماع، فلا دور، وناقشه شارح ((المسلم))، بأن معنى كون العام قطعيا فيما يتناوله أنه لا يحتمل خلافه، احتمالا ناشئا عن دليل، وإن كان فيه مطلق احتمال، فهو قطعى بالمعنى الأعم، والإجماع قطعى، بمعنى أنه يقطع الاحتمال مطلقا، فهو قطعى بالمعنى الأخص، فالعام - وإن قلنا بقطعيته - لا يصلح أصلا مثبتا للإجماع؛ إذ المستند إلى الشىء لا يكون أعلى حالا منه، وأجيب ثانيا: سلمنا أن الآية ليست قطعية، بل غايتها الظهور، لكنا لا نسلم أن التمسك بالظاهر، إنما يثبت بالإجماع؛ بل لأن العدول إلى خلافه بلا دليل يحتمله غير معقول.

ثانيًا: السنة: اشتملت السنة النبوية الشريفة على أحاديث كثيرة تدل على حجية الإجماع، منها: ما أخرجه أبو داود عن أبى مالك الأشعرى ­ رضى الله عنه­ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إِنَّ اللهَ أجَارَكُمْ مِنْ ثَلَاثِ خِلَال: أَلَّا يَدْعُوَ عَلَيْكُمْ نبيُّكُم فَتَهْلِكُوا جَمِيعًا، وَأَلا يَظْهَرَ أَهْلُ البَاطِلِ عَلَى أَهْلِ الحقِّ، وَأَلا تَجْتمِعُوا عَلَى ضَلاَلَةٍ))(1). ومنها: ما رواه أحمد، والطبرانى، عن ابن هانئ الخولانى، عمن أخبره، عن أبى بصرة الغفارى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((سَأَلْتُ رَبِّى أَرْبَعًا فَأَعْطَانِى ثَلَاثا، وَمَنَعَنَى وَاحِدَةً؛ سَأَلْتُ رَبِّى: ألا تَجْتَمِعَ أُمَّتِى عَلَى ضَلَالَةٍ، فَأَعطاِنيهَا...)) الحديث(2).

قال فى التقرير : قال شيخنا الحافظ : رجاله رجال الصحيح إلا التابعى المبهم، وله شاهد مرسل أيضا.


(1) أخرجه أبو داود (2/500) كتاب الفتن والملاحم، باب: ذكر الفتن ودلائلها، حديث (4253)، والطبرانى فى الكبير (3/331) رقم (3440) من طريق محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثنى أبى حدثنى ضمضم بن زرعة عن شريح عن أبى مالك الأشعرى، به. قال ابن كثير فى تحفة الطالب ص(146): وفى إسناد هذا الحديث نظر. وقال الحافظ ابن حجر فى ((تخريج المختصر)) (1/106، 107): وسكت عليه أبو داود، لكن قال أبو عبيد الآجرى: سألت أبا داود عن محمد بن إسماعيل بن عياش فقال: لم يكن بذاك، ولعله أشار إلى قول أبى حاتم: لم يسمع محمد بن إسماعيل من أبيه, وهذا يشكل على قوله فى هذا الإسناد: حدثنى أبى، فلعله كان يستجيز إطلاق التحديث فى الإجازة... وللحديث علة أخرى, وهى قول أبى حاتم الرازى: لم يسمع شريح ابن عبيد من أبى مالك الأشعرى.

(2) أخرجه أحمد (6/396).

صحفة 2

أخرجه الطبرى فى تفسير سورة ((الأنعام)). ومنها قوله صلى الله عليه وسلم : ((إِنَّ اللهَ لاَ يَجْمَعُ أُمَّتِى - أَوْ قَالَ: أُمَّةَ مُحَمَّد - عَلَى ضَلَالَةٍ، وَيَدُ اللهِ مَعَ الجَمَاعَةِ، وَمَنْ شَذَّ شَذَّ إِلَى النَّار))(1).

رواه الترمذى عن ابن عمر - رضى الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم, وقال: غريب من هذا الوجه.

ومنها ما رواه ابن ماجه، بلفظ: ((إِنَّ أُمَّتِى لاَ تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلالَةٍ، فَإِذَا رَأَيْتُم الاخْتِلافَ، فَعَلَيْكُمْ بالسَّوَادِ الأَعْظَم))(2).

ومنها قوله صلى الله عليه وسلم : ((مَن فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَقَدْ خَلَع رِبْقَةَ الإسلام مِن عنقه))(3) أخرجه الحاكم فى مستدركه فى حديث أبى ذر.

والأحاديث فى ذلك كثيرة لا تحصى، ووجه الاستدلال بها: أنها وإن رويت آحادا لكـن القدر المشترك بينها - وهى عصمة هذه الأمة عن الخطأ والضلالة - قد تواتر وحصل العلم به، وهذا التواتر هو المسمى فى الاصطلاح: التواتر المعنوى: كشجاعة على، وجود حاتم، والعلم المستفاد من التواتر المعنوى علم ضرورى لا يفتقر إلى إقامة دليل عليه، بل يعلم تحققه عند الرجوع إلى الوجدان. وقد اعترض على هذا الدليل من وجهين:

الأول: يحتمل أن هذه الأحاديث لم تبلغ مبلغ التواتر المعنوى؛ فإنه ليس بمستبعد فى العرف إقدام عشرين على الكذب فى واقعة معينة، بعبارات مختلفة. والجواب على هذا الاعتراض أن ما ذكر تشكيك فى الضرورى؛ فإن كل واحد من هذه الأخبار بانفراده، وإن جاز تطرق الكذب إليه إلا أن كل عاقل يجد من نفسه بعد الاطلاع على مجموع هذه الأخبار أن قصد رسول الله صلى الله عليه وسلم منها تعظيم هذه


(1) أخرجه الترمذى (4/466) كتاب الفتن، باب: ما جاء فى لزوم الجماعة، حديث (2167)، والحاكم (1/115) من طريق المعتمر بن سليمان عن سليمان المدنى عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله لا يجمع أمتى - أو أمة محمد - على ضلالة ، ويد الله على الجماعة ، ومن شذ شذ إلى النار)). وقال الترمذى: غريب من هذا الوجه، وسليمان المدنى هو سليمان بن سفيان.اهـ. قلت: وهو ضعيف كما قال الحافظ فى التقريب (1/325) رقم (441).

(2) أخرجه ابن ماجه (2/1303) كتاب الفتن، باب: السواد الأعظم، حديث (3950) من حديث أنس قال فى الزوائد: فى إسناده أبو خلف الأعمى، واسمه حازم بن عطاء, وهو ضعيف.

(3) أخرجه الحاكم (1/117).

صحفة 3
 
 

الأمة, وعصمتها عن الخطأ، كما علم بالضرورة سخاء حاتم، وشجاعة على. وإقدام عشرين أو أكثر من العدول الأخيار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على الكذب فى واقعة معينة - مما لا يكاد يتوهم، لا سيما وقد تلقت الأمة هذه الأخبار بالقبول واحتجت بها فى عصر الصحابة والتابعين، على أنه لو استقام لكم ما قلتم لاقتضى إنكار التواتر المعنوى رأسا؛ إذ مثله يرد على كل ما ادعى تواتر معناه.

الوجه الثانى: أنه على تقدير تسليم تواتر هذه الأخبار، فتواتر القدر المشترك بينها - وهو عصمة أمة الإسلام عن الخطأ والضلالة - غير مسلم؛ لأنه من المحتمل أن يكون المراد به إما أن الإجماع حجة أو معنى آخر:

فعلى الأول يلزمكم القولُ بأن حجية الإجماع متواترة، وأن مثلها كمثل غزوة بدر، وذلك باطل؛ وإلا لما وقع فيها خلاف.

وعلى الثانى: فإن أردتم به تعظيم الأمة مطلقا فلا يفيد المطلوب، وإن أردتم به التعظيم المنافى لإقدامهم على الخطأ فى شىء ما يعنى عصمة الأمة رجع إلى الأول، وقد أبطلناه.

وجوابه: إما باختيار المعنى الأول، ونقول: إنه متواتر قطعا لا ريب فيه، وقولكم: لو تواتر لكان كغزوة بدر، قلنا: هو كغزوة بدر ­ كيف، وقد تواتر من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الآن تخطئة المخالف للإجماع؟! وهل هذا إلا تواتر لحجيته؟! والتواتر لا يقتضى أن يكون الكل عالمين به؛ ألا ترى أن كثيرًا من العوام لا يعلمون غزوة بدر أصلا؟ بل المتواتر إنما يكون متواترًا عند من وصل إليه أخبار الجماعة، وذلك بمطالعة الوقائع، والمخالفون لم يطالعوه.

وإما باختيار المعنى الثانى، وهو أن المراد بالقدر المشترك عصمة الأمة، وقولكم: يرجع إلى المعنى الأول غير صحيح، بل هو معنى آخر يلزمه المعنى الأول.

ثالثًا: المعقول:

ثمة دليلان عقليان على حجية الإجماع، الدليل الأول: أنهم اتفقوا فى كل عصر على الجزم بتخطئة المخالف للإجماع من حيث هو إجماع، وعدوا تفريق عصا الجماعة من المسلمين أمرا عظيما، وإثما كبيرا. والعادة تحيل اجتماع هذا المبلغ من الأخيار المحققين من الصحابة والتابعين على قطع فى حكم شرعى، لا سيما القطع بكون المخالفة أمرا عظيما، إلا عن نص قاطع على خطأ المخالف، بحيث لا يكون للارتياب فيه مدخل؛ فإنه قد علم بالتجربة، والتكرار من أحوالهم، وفتاويهم علما ضروريا أنهم ما كانوا يقطعون بشىء إلا ما كان كالشمس على نصف النهار، وليس أدل على تحرجهم ودقتهم من امتناعهم عن جمع القرآن؛

صحفة 4
 
 

 لأنه لم يجمع فى عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يأمرهم به، ومن رضاهم بالزج فى السجون، واستعذابهم الجلد دون أن يقولوا بأمر يخالف الشريعة، فبعيد على هؤلاء أن يقولوا - بل يقطعوا - بحكم، إلا عن نص قاطع، وإذا قطعنا بتخطئة المخالف للإجماع قطعنا بحجيته وتصويبه، وبناءً على ذلك تكون صياغة هذا الدليل هكذا: لو لم يكن الإجماع حجة قطعية لما أجمعوا على القطع بتخطئة المخالف للإجماع، لكن التالى باطل؛ فإن إجماعهم على ذلك أمر متوارث فيما بينهم، فالشك فيه كالشك فى الضروريات، وإذا بطل التالى بطل المقدم، وثبت نقيضه، وهو كون الإجماع حجة وهو المطلوب، ودليل اللزوم حكم العادة المتقدم. وقد أورد على هذا الدليل اعتراضات ثلاثة:

الاعتراض الأول: أن فيه مصادرة على المطلوب؛ لأنكم إما أن تستندوا فى إثبات الحجية إلى إجماعهم على القطع بتخطئة المخالف, فتكونون قد أثبتم الإجماع بالإجماع، أو إلى نص قاطع فى ذلك دل عليه إجماعهم عادة، فقد أثبتم الإجماع بنص دل عليه إجماعهم، ولا يخفى ما ينطوى عليه ذلك من المصادرة على المطلوب.

والجواب عنه بإيجاز: أنا نستدل على حجية الإجماع بوجود نص قاطع, دلنا عليه وجود صورة من الإجماع، وثبوت هذه الصورة من الإجماع لا يتوقف على كون الإجماع حجة. فالمتوقف غير المتوقف عليه.

الاعتراض الثانى: قولكم: العادة قاضية بأن مثل هذا الاتفاق لا يكون إلا عن نص قاطع معارض بأنه لو كان عن نص قاطع لتواتر؛ لتوافر الدواعى على نقله، والتالى باطل؛ إذ لو تواتر لنقل، ولم ينقل.

والجواب عنه: أنا نمنع الملازمة؛ لأن تواتر الملزوم ­ وهو الإجماع على القطع بالتخطئة ­ يغنى عن تواتر اللازم، وهو النص القاطع الدال على ذلك.

الاعتراض الثالث: قولكم: العادة قاضية بأن مثل هذا الاتفاق لا يكون إلا عن نص قاطع منقوض أيضا بإجماع الفلاسفة على قدم العالم، واليهود على أن لا نبى بعد موسى، والنصارى على أن عيسى قد قتل؛ فإن الدليل يجرى فى هذه الصور مع تخلف حكمه عنها؛ لأن العادة لا تحكم باستنادها إلى قاطع.

والجواب: أنا لا نسلم جريانه فيها؛ فإنا قد ذكرنا فى الدليل أن العادة تحيل اجتماع هذا المبلغ من الأخيار الصالحين المعلوم فضلهم بمعاينة أحوالهم الشريفة، وهذا غير موجود فى إجماع من ذكره، وأيضا إجماع  الفلاسفة ناشئ عن نظر عقلى يداخله الوهم, واختلاط الصحيح بالفاسد فيه كثير، ومثله لا تقضى

صحفة 5
 
 

 العادة باستناده إلى القاطع، بخلاف الإجماع فى الأمور الشرعية؛ فإن الفرق بين قطعيها وظنيها واضح بين، لا يشتبه على أهل المعرفة والتمييز، فضلا عن المحققين من أئمة الاجتهاد، وأما إجماع اليهود والنصارى فليس عن تحقيق؛ بل هو قائم على اتباعهم لآحاد الأوائل، {لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [البقرة : 79]، فلا توجب العادة استناده إلى القاطع. وأما الصحابة والتابعون؛ فإنهم محققون غير تابعين لأحد.

الدليل الثانى: من أدلة المعقول: أنهم أجمعوا على أن الإجماع يقدم على القاطع من الكتاب والسنة؛ وذلك بناء على أن النصوص القطعية تحتمل النسخ فى الجملة، بخلاف الإجماع؛ فإنه لا يحتمله ألبتة. ونصوا أيضا على أن غير القاطع لا يقدم على القاطع؛ بل القاطع هو المقدم، فلو لم يكن الإجماع حجة قطعية، لما أجمعوا على تقديمه على القاطع؛ لكن التالى باطل فبطل المقدم، وثبت نقيضه، وهو أنه حجة قطعية، وهو المطلوب.

وقد اعترض على هذا الدليل، وعلى الدليل السابق بأن مقتضاهما: أن الإجماع إنما يكون حجة قطعية إذا بلغ المجمعون عدد التواتر، فإن ما لم يبلغ فيه المجمعون عدد التواتر لا يقطع بتخطئة مخالفه، ولا يقدم على القاطع إجماعا. والجواب أنا لا نسلم أن مقتضاهما ما ذكر؛ إذ كل منهما ناهض فى إجماع المسلمين من غير تقييد ولا شرط، وتخطئة المخالف وتقديمه على القاطع مطلقا لم يتعرض فيهما لاشتراط عدد التواتر.

تأويل قول الإمام أحمد: ((من ادعى الإجماع فهو كاذب)):

وقف المخالفون على عبارة للإمام أحمد بن حنبل - رضى الله عنه - يؤيد ظاهرها دعواهم فتعلقوا بها، وظنوا أنهم حصلوا على شىء، وما حصلوا على شىء، وهذه العبارة هى قوله: ((من ادعى الإجماع فهو كاذب)). ولإبطال تمسكهم بها نقول: إن الإمام أحمد نص على صحة الإجماع وحجيته فى مواضع كثيرة، منها ما روى البيهقى عنه أنه قال: أجمع الناس على أن هذه الآية فى الصلاة يعنى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف: 204]­ فلو لم ير ثبوت الإجماع وثبوت العلم به ما قال بصحته، فمن اللازم ضرورة أن تؤوَّل عبارته تأويلا يلائم قوله هذا، وقد ذكروا له عدة تأويلات، منها: ما ذكره شارح المختصر، وتبعه صاحب ((التحرير)) و((المسلم)) أنه محمول على استبعاد انفراد ناقله به، فمعناه من ادعى

صحفة 6
 
 

الإجماع حيث لم يطلع عليه سواه،  فهو كاذب ؛ إذ لو كان صادقا لاطلع عليه غيره.

ومنها: ما نقله صاحب ((التقرير)) عن أصحاب الإمام أحمد أنه قاله على جهة الورع؛ لجواز أن يكون هناك خلاف لم يبلغه، فمعناه من ادعى الإجماع جازما به، مع احتمال وجود خلاف لم يبلغه - فهو كاذب، ويدعم هذا التأويل لفظه فى رواية ابنه عبد الله، وهو: ((من ادعى الإجماع فقد كذب؛ لعل الناس قد اختلفوا، ولكن يقول: لا نعلم الناس اختلفوا، إذا لم يبلغه)).

ومنها: ما نقله فى ((التقرير)) ­ أيضا ­ عن ابن رجب: أنه قاله إنكارا على فقهاء المعتزلة الذين يدعون إجماع الناس على ما يقولون، وكانوا من أقل الناس معرفة بأقوال الصحابة والتابعين، والإمام أحمد يوشك أن يخلو كلامه من احتجاج بإجماع بعد التابعين أو بعد القرون الثلاثة، فمعناه: من ادعى الإجماع من هؤلاء المعتزلة على رأيه الذى انفرد به فهو كاذب.

ومنها: أنه محمول على حدوثه الآن، فمعناه: من ادعى حدوث الإجماع الآن، فهو كاذب؛ لعدم إمكانه أو إمكان الاطلاع عليه؛ وبهذا بطل تأييد دعواهم بها، ولم يبق لهم متمسك. والله أعلم.

وبعدُ، فإن الإجماع فى عصر الصحابة ­رضوان الله عليهم­ كان أمرًا ممكنا متيسرًا حصوله؛ وذلك لأن جمهور المجتهدين منهم كانوا متركزين فى المدينة المنورة مركز الحكم ومستقر الخليفة؛ مما سهل اجتماعهم للفتوى بعد المشاورة والمناظرة فيما بينهم.

وقد تحقق إجماع الصحابة فى معظم المسائل والقضايا التى كانت موضع اختلاف ومجادلة، حتى بلغوا نقطة الاتفاق، وحسبك دليلاً على ذلك ما ورد من إجماعهم على خلافة أبى بكر رضى الله عنه، وكذلك إجماعهم على جمع القرآن.. إلى غير ذلك من المسائل والقضايا التى حصل إجماعهم عليها.

ومن ناحية أخرى، فإن الصحابة ما كانوا يلتزمون بالإجماع إلا إذا حصل الاتفاق من كافة من يعتد برأيه، أما إذا لم يحصل الاتفاق فما كانوا يلتزمون برأى الأغلبية، كذلك ما كانوا يرجحون قول طائفة على أخرى، مهما كان شأن هذه الطائفة, إلا إذا ترجح ذلك القول فى نفوسهم؛ بناء على ما استندوا إليه من أدلة.

وجدير بالذكر أن حالات الاتفاق كانت محدودة، وعلى هذا فيعتبر الإجماع مصدرًا غير خصيب للأحكام الفقهية.

صحفة 7